ذلك عملًا لأجل دقائق من حسن اللفظ يدل على قوة المنشئ في سجعه، وكذا القول في الترسل.
• "والكشف عن قناع المعنى بلفظ هو في الاختيار أوْلَى حتى يطابق المعنى اللفظَ، ويسابق فيه الفهمُ السمعَ"(١)، قال عبد القاهر في دلائل الإعجاز:"وتختار للمعنى اللفظ الذي هو به أخص وأحرى بأن يُكسبَهُ نُبلًا ويظهر فيه مزية". (٢)
• "ومنهم مَنْ ترقَّى إلى ما هو أشق وأصعب فلم تقنعه هذه التكاليف في البلاغة حتى طلب البديع من الترصيع والتسجيع والتطبيق والتجنيس"(٣)، وهذه ألقابٌ لأنواع من البديع لا تعسر على الناظر بمراجعة مباحثها من علم البديع.
"وعكس البناء في النظم"(٤)، يريد بالنظم انتظامَ الكلام لا مقابلَ النثر، كما لا يخفى. وهذا النوع [هو] المحسن البديعي المسمَّى "ما لا يستحيل بالانعكاس"(٥)، كقول العماد الكاتب للقاضي الفاضل وقد مر عليه راكبًا فرسًا: "سِرْ فلا كبَا بك
(١) نشرة هارون، ص ٦. (٢) صفحة ٣٥. - المصنف. وتمام كلام الجرجاني: "وتختار له (أي للمعنى) اللفظ الذي هو أخصُّ به، وأكشفُ عنه وأتَمُّ له، وأحرَى بأن يُكسبه نُبلًا ويُظهر فيه مزية". دلائل الإعجاز، نشرة شاكر، ص ٤٣. (٣) نشرة هارون، ج ١، ص ٦. (٤) المصدر نفسه. (٥) كذا سماه الحريري حيث قال: "وثُبنا نحنُ إلى استثارة مُلَحِ الأدب وعيونه، واستنباط معينه من عيونه، إلى أن جُلْنا فيما لا يستحيلُ بالانعكاس، كقولك: ساكب كأس"، وسماه "المقلوب المستوي". وقد عده المصنّف من بدائع الإعجاز في قوله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)} [الأنبياء: ٣٣]. مقامات الحريري، ص ١٥٩ (المقامة المغربية)؛ مفتاح العلوم، ص ٥٤٢ (نشرة هنداوي)؛ تفسير التحرير والتنوير، ج ٨/ ١٧، ص ٦١ - ٦٢. و"ما لا يستحيل بالانعكاس" أو "المقلوب المستوي" هو الذي لا يتغير نطقُه ومعناه؛ فعبارة "كل في فلك" في الآية إذا قلبت فقرئت معكوسة من آخرها إلى أولها لا يلحقها أي تغيير، لا في النطق ولا في المعنى. وقال ابن عاشور: "ولم يذكروا منه شيئًا وقع في كلام العرب، فهو من مبتكرات القرآن". (وانظر مثالًا له في الحاشية الآتية).