وأنت تذكُرُ أنَّهم إنَّما نُهوا أن يَنكِحوا نِكاحَهم. قيلَ له: إنَّما قُلنا: إنَّ ذلك هو التأويلُ المُوافقُ لظاهرِ التَّنزيلِ؛ إذْ كانَت (ما) في كلامِ العربِ لغَيرِ بني آدمَ، وأنَّه لو كانَ المَقصودُ بذلك النَّهيُ عن حلائِلِ الآباءِ دون سائِرِ ما كانَ مِنْ مناكِحِ آبائِهم حراماً ابتِداءُ مِثلِه في الإسلامِ، بنَهي الله جلَّ ثناؤُه عنه، لَقيلَ: ولا تَنكِحوا مَنْ نكحَ آباؤُكم مِنْ النِّساءِ إلا ما قد سلفَ .. ، وأمّا قولُه، فإنَّه يُدخِلُ في (ما) ما كانَ مِنْ مناكِحِ آبائِهم التي كانوا يتناكحونَها في جاهليَّتِهم، فحرَّمَ عليهم في الإسلامِ بهذه الآيةِ نكاحَ حلائِلِ الآباءِ، وكُلَّ نِكاحٍ سواه نهى الله تعالى ذِكرُه ابْتِداءَ مِثلِه في الإسلامِ، مِمّا كانَ أهلُ الجاهليَّةِ يتناكَحونَه في شِرْكِهم» (١)، فأثبَتَ معنى السَّبَبِ أوَّلاً، ثُمَّ أشارَ إلى العمومِ وأخذَ به، مع إقرارِه بهذا مِنْ موضِعِ الإيرادِ الذي أَوردَه على اختيارِه.
وهذا الاعتبارُ اللّازمُ لقِصَّةِ الآيةِ وسبَبِها قبلَ ما يَشمَلُه لفظُها محلُّ اتِّفاقٍ بين أهلِ العلمِ، قالَ السّيوطي (ت: ٩١١): «دخولُ صورَةِ السَّبَبِ قَطعيٌّ، وإخراجَها بالاجتِهادِ مَمنوعٌ، كما حكى الإجماعَ عليه القاضي أبو بكرٍ في (التَّقريب)(٢)، ولا التِفاتَ إلى مَنْ شَذَّ فجوَّزَ ذلك» (٣). قالَ ابنُ تيميّة (ت: ٧٢٨): «اللَّفظُ العامُّ إذا وردَ على سبَبٍ فلا بُدَّ أن يكونَ
(١) جامع البيان ٦/ ٥٥٢. وينظر: ٣/ ٣٤٧، ٣٧٦. (٢) هو الإمام أبو بكر محمد بن الطَّيِّب الباقلّاني (ت: ٤٠٣)، وكتابُه هو (التقريب والإرشاد) في أصول الفقه، وهو ثلاثةُ كتبٍ: كبير، وأوسط، وصغير وهو المَطبوع. وقالَ الزَّركشيّ (ت: ٧٩٤) عن الكبير: «هو أجلُّ كتابٍ صُنِّفَ في هذا العلمِ مُطلقاً». البحر المحيط في أصول الفقه ١/ ٥. (٣) الإتقان ١/ ١٩٠.