أنَّ ذلك نُسِخَ ب (براءةَ)، و (براءَةُ) نزلَت بعد فتحِ مكَّةَ ودُخولِ قريشٍ في الإسلامِ» (١).
وقد نبَّهَ العلماءُ إلى أهميَّةِ ذلك في بابِ النَّسخِ، فقالَ النَّحّاس (ت: ٣٣٨): «إنَّما يُذكَرُ ما نزلَ بمكَّةَ والمدينةَ؛ لأنَّ فيه أعظمَ الفائِدةِ في النّاسخِ والمَنسوخِ»(٢)، وقالَ مكيُّ بن أبي طالب (ت: ٤٣٧) في بابِ (مُقدِّماتِ النّاسخِ والمَنسوخِ): «يجبُ أن تَعلَمَ المَكيَّ مِنْ السُّوَرِ مِنْ المَدَنيَّ؛ فذلك مِمّا يُقوِّي ويُفهِمُ معرفةَ النّاسخِ والمَنسوخِ»(٣).
سادساً: قصَّةُ الآيةِ وسبَبُ نزولِها داخلان قطعاً في معناها؛ ولا يصِحُّ إخراجُهما مِنه إلا بدليلٍ، وعلى ذلك جرى استدلالُ ابنِ جريرٍ (ت: ٣١٠) بهما في تفسيرِه؛ فيُثبِتُ ما دلَّا عليه مِنْ المعنى ابتداءً، ثُمَّ يُضيفُ ما أفادَه عمومُ اللَّفظِ بعد ذلك، على ما سيأتي بيانُه. ومِن ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ -على ما قالَه أهلُ التأويلِ في تأويلِه- أن يكونَ معناه: ولا تَنكِحوا مِنْ النِّساءِ نِكاحَ آبائِكم، إلا ما قد سَلَفَ مِنكم فمضى في الجاهليَّةِ، فإنَّه كانَ فاحشةً ومَقْتاً وساءَ سَبيلاً .. ، فإن قالَ قائِلٌ: وكيف يكونُ هذا القَولُ مُوافِقاً قولَ مَنْ ذكَرتَ قولَه مِنْ أهلِ التأويلِ، وقد علِمتَ أنَّ الذين ذكَرتَ قولَهم في ذلك إنَّما قالوا: أُنْزِلَت هذه الآيةُ في النَّهيِ عن نِكاحِ حلائِلِ الآباءِ.