الوجه الأول: أنَّ قوله: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} لا يحتمل إلاَّ انقطاع الدم، وقوله:{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يحتمل الغسل وانقطاع الدم، فيجب حمل اللفظ المحتمل على ما لا يحتمل، ويكون تقديره، ولا تقربوهن حتى ينقطع دمهن، فإذا انقطع دمهن فأتوهن.
ويكون الثاني تأكيدًا للأول بدليل شيئين:
أحدهما: أنَّ الله تعالى ذِكره بلفظ الغاية فقال: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} وحكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها، فإذا كان قبل الغاية لا يجوز وطؤها فبعدها يجوز، وعندكم لا يجوز إلا بوجود شرط آخر فيلغوا حكم الغاية.
الثاني: أنَّ الغاية إذا علَّق عليها حكم، ثم أعيدت بلفظ الشرط فالظاهر أن الثاني هو الأول، ألا ترى أنه لو قال: لا تكرم زيدًا حتى يدخل الدار، فإذا دخل الدار فأكرمه، رجع الثاني إلى الدخول الأول (١).
ونوقش القول: باحتمال أن يكون الثاني هو الأول: من عدة أوجه:
الوجه الأول: بما روي عن ابن عباس: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} بالماء (٢). وهو قول عكرمة. وروي عنه:«فإذا اغتسلن»(٣)، وهو قول مجاهد (٤).
(١) الانتصار (١/ ٥٧٦، ٥٧٧) وانظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٤٩). (٢) أخرجه البيهقي في السُنن (١/ ٣٠٩) وابن جرير في التفسير (٢/ ٣١٦). (٣) انظر: زاد المسير (١/ ٢٤٩). (٤) مصنف عبد الرزاق (١/ ٣٣٠) السُنن الكبرى للبيهقي (١/ ٣٧٠).