فإن قيل: قد قال الله تعالى في حقه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى}(١) فكيف يجوز ما ذكرت؟
قلت: قد قيل: هذا فيما يتلو عليه من القرآن بدليل أول السورة قوله: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}(٢) أي والقرآن إذا نزل، وقيل: المراد بالهوى هو هوى النفس الأمارة بالسوء ولا أحدٌ يُجَوِّز على رسول الله -عليه السلام- اتباع هوى النفس أو القول به.
ولكن طريق الاستنباط والرأي غير هوى النفس، وهذا تأويل قوله تعالى:{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي}(٣) ثم في قوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}(٣) توضيح جميع ما قلنا، لأن اتباع الوحي إنما يتم في العمل بما فيه الوحي بعينه، واستنباط المعنى منه لإثبات الحكم في نظيره، وذلك بالرأي يكون.
قوله:"يلقحون النخل" قد فسره بقوله: "يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى".
قوله:"إنما هو الظن" أي إن الذي قلتُ هو قول عن ظن لا عن يقينٍ إذْ لو كان قوله ذلك عن يقين لما قال لهم بعد ذلك: "فاصنعوه".
ص: وقد روي في ذلك ما يدل على ما ذكرناه.
حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس -مثل حديث إسحاق بن الحسن الطحان غير أنه قال-: "والله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت، فقال رسول الله -عليه السلام-: لا تقسم".
فدل ذلك على أن ما كره رسول الله -عليه السلام- هو الحلف فيه على إخباره إياه بصوابه أو خطئه في شيء لم يعلمه رسول الله -عليه السلام- بالوحي الذي يعلم به حقيقة الأشياء، لا لذكره القسم.
(١) سورة النجم، آية: [٣]. (٢) سورة النجم، آية: [١]. (٣) سورة يونس، آية: [١٥].