وقولكم: إنَّ السَّياق ها هنا دلَّ على أنَّها جنَّةٌ في الأرضِ.
قُلنا: والأدلة التي ذكرناها دلَّت على أنَّ جنة آدم عليه السَّلام في الأرضِ، فلذلك صِرْنَا إلى مُوْجِبِهَا، إذْ لا يجوزُ تعطيل دلالة الدليل الصحيح.
وأمَّا استدلالكم بأثر أبي موسى:"أنَّ اللَّه أخرج آدم من الجنَّة وزوَّده من ثمارها"(١) ، فليس فيه زيادة على ما دلَّ عليه القرآن، إلَّا تزوده منها، وهذا لا يقتضي أنْ تكون جنَّة الخُلْدِ.
وقوله:"إنَّ هذه تتغير، وتلك لا تتغير" فمن أين لكم أنَّ الجنَّة التي أسكنها آدم كان التَّغيُّر يَعْرِضُ لثمارها، كما يَعْرِضُ لهذه الثمار، وقد ثبتَ في الحديث الصحيح عِن النَّبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال:"لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَز الَّلحم"(٢) أي: لم يَتَغَيَّر ولم يَنْتَنْ، وقد أبقى اللَّهُ سبحانه وتعالى في هذا العالم طعامَ العُزَيْر وشَرَابَهُ مئة سنةٍ لم يتغيَّر (٣) .
وأمَّا قولكم: إنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى ضَمِنَ لآدم عليه السلام إنْ تابَ أن يعيده إلى الجنَّة، فلا ريبَ أنَّ الأمرَ كذلك، ولكن ليس نعلم أنَّ
(١) تقدم تخريجه ص (٦٤). (٢) أخرجه البخاري رقم (٣١٥٢)، ومسلم رقم (١٤٧٠)، واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه. (٣) يُشير المؤلف إلى قوله تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة: ٢٥٩]، وراجع تفسير الطبري (٣/ ٢٨).