وحكى أبو الفتح ابن سيد الناس (١): أنه لما قدم إلى الديار المصرية وهو شابّ، حضر سوق الكتب، وابن النحاس شيخ العربية حاضر، وكان مع المنادي ديوان ابن هانئ المغربي، فأخذه الشيخ ركن الدين، وأخذ يترنّم بقول ابن هانيء:[الكامل]
فتكات لحظك أم سيوف أبيك … وكؤوس خمرك أم مراشف فيك (٢)
وكسر التاء، وفتح الفاء والسين والفاء، فالتفت إليه ابن النحاس، وقال له: ما ذا إلا نصب كثير.
فقال له الشيخ ركن الدين - بتلك الحدة المعروفة منه والنفرة (٣) -: أنا ما أعرف الذي تريده أنت من رفع هذه الأشياء، على أنها أخبار لمبتدآت مقدّرة، أي: أهذه فتكات لحظك، أم كذا، أم كذا؟. وأنا الذي أقوله أغزل وأمدح، وتقديره: أأقاسي فتكات لحظك، أم أقاسي سيوف أبيك، وأرشف كؤوس خمرك، أم مراشف فيك. فأخجل ابن النحاس، وقال: يا مولانا! فلم لا تتصدّر وتشغل الناس؟.
فقال - استخفافا بالنحو، واحتقارا له -: وأيش هو النحو في الدنيا؟. أو كما قال.
(١): ابن سيد الناس: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس، اليعمري، الربعي، أبو الفتح، فتح الدين: مؤرخ، عالم بالأدب، من حفّاظ الحديث، له شعر رقيق، أصله من إشبيلية، مولده في القاهرة سنة ٦٧١ هجرية، ووفاته فيها سنة ٧٣٤ هجرية. من تصانيفه: عيون الأثر في المغازي والشمائل والسير، وبشرى اللبيب في ذكرى الحبيب، وغيرها انظر ترجمته في: فوات الوفيات ٢/ ١٦٩، والوافي بالوفيات ١/ ٢٨٩، والأعلام ٧/ ٣٥. (٢): أعيان العصر ١٩٨١. (٣): في الأصل المخطوط: " والمعرفة "، والتصويب من" أعيان العصر ".