الطُّغْرَائِيّ في حَقِّهِ، فسَعَى في حَتْفِه خَوْفًا علىِ مَنْصِبه، فاحْتَال في نَصَبِه، وأعْطَى الرِّضَا بعَطَبه، وفَتَك بهِ وقْتَ أَسرِه، بل قُدِّم قَسْرًا، وقُتِلَ صَبْرًا، قَبْلَ أنْ يُنبئَهُ بأمرِه، ويُنَوَّه بقَدْره (a)، وآزَرَ الطُّغْرَائِيَّ الوَزِير، وعَانَدَهُ التَّقْدِير، ففَازَ بالشَّهَادَة، وخُتِم له بالسَّعَادَة، وذلك في سَنَة خَمْس عَشرة وخَمْسِمائَة.
فهذا من جُملَةِ من قَتَلَهُ فَضْلُهُ، ورَمَاهُ بنَبل الهُلكِ نُبْلُهُ، وألحَفَهُ (b) ردَاءَ الرَّدَى عِلمُه، وشَامَهُ (c) الأدَب فهَامَ (d) به في تيهِ الحَيْرة فَهْمُهُ، وحَسَدَهُ الدَّهْرُ فاغْتَالَهُ، وقَلَّصَ بعد السُّبُوغ ظِلَالهَ، بل غَار الزَّمانُ على مثلِهِ بين بَنيهِ الجُهَّال فاسْتَرَدَّهُ، وأخلَق من الابْتِهَاج بفَضْله ما أجَدَّهُ (e).
هو لا يُعَدُّ في الشُّعَرِاء؛ فهل أجَلُّ، والخاَطِرُ الآخذُ (f) في وَصفِ جُوْدَة خَاطِره، ومَدْحَ أزاهيره وزوَاهرِهِ أكَلّ، وإنَّما هو مَعْدُودٌ من الوُزَرَاءَ العُظَمَاء، والصُّدُور الكُبَرَاءَ، الّذين حَازُوا الأقَاليْم بالأقْلَام، وزَلْزَلُوا الأَقْدَامَ بالإقدَام، وحَاطُوا المَمَالِكَ من المَهَالِك (g)، وأطْلَعُوا سَنَاء النَّصْر من سَمَاءِ السَّنَابِك، ونالُوا الآرَاب بالآباء (h)، وسألُوا الأوْلِيَاءَ (i) بالآلَاء، وقَادُوا الكَتائِبَ (j) بالكُتُبِ، وجَادُوا برَوَاتب العَوَارف في عَوَاري الرُّتَب، لا جرَم لمَّا أتلَفُوا عَارِيَة الثَّرَاء، وتوطَّنُوا الثَّرَاء (k)، عَارِينَ من المَعَارّ (l)، كَاسِينَ من الفَخَار، اعْتَاضُوا بالثَّنَاء، وِمَلَكُوا القَبُولَ من قُلُوب الفُضَلَاءَ، وتخلَّدَتْ مآثرِهُم مَأْثُورة، ومَفَاخِرُهُم مَذْكُورة، وفَضَائِلُهُم بَاقِية (m)، ومَنَاقِبُهم في أُفقِ البَقَاءَ بعد فَنَائهم مُتَلالِيَة.