حَالاً مِنَ النَّائِمِ، إِذِ النَّائِمُ يَنْتَبِهُ بِالتَّنْبِيهِ، أَمَّا السَّكْرَانُ فَلاَ يَنْتَبِهُ إِلاَّ بَعْدَ الإِْفَاقَةِ مِنَ السُّكْرِ، فَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرِ الإِْيلاَءُ الصَّادِرُ مِنَ النَّائِمِ، فَلاَ يُعْتَبَرُ الإِْيلاَءُ الصَّادِرُ مِنَ السَّكْرَانِ بِالطَّرِيقِ الأَْوْلَى.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ السُّكْرُ بِطَرِيقٍ مُحَرَّمٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْرَبَ الْمُسْكِرَ بِاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ حَتَّى يَسْكَرَ، فَقَال بَعْضُهُمْ: يُعْتَبَرُ إِيلاَؤُهُ، وَهُوَ قَوْل جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا تَنَاوَل الْمُحَرَّمَ بِاخْتِيَارِهِ يَكُونُ قَدْ تَسَبَّبَ فِي زَوَال عَقْلِهِ، فَيُجْعَل مَوْجُودًا عُقُوبَةً لَهُ وَزَجْرًا عَنِ ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ (١) .
وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ يُعْتَبَرُ إِيلاَؤُهُ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْل أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ تَعْتَمِدُ عَلَى الْقَصْدِ وَالإِْرَادَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالسَّكْرَانُ قَدْ غَلَبَ السُّكْرُ عَلَى عَقْلِهِ، فَلاَ يَكُونُ عِنْدَهُ قَصْدٌ وَلاَ إِرَادَةٌ صَحِيحَةٌ، فَلاَ يُعْتَدُّ بِالْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ، كَمَا لاَ يُعْتَدُّ بِالْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
وَالشَّارِعُ لَمْ يَتْرُكِ السَّكْرَانَ بِدُونِ عُقُوبَةٍ عَلَى سُكْرِهِ، حَتَّى نَحْتَاجَ إِلَى عُقُوبَةٍ أُخْرَى نُنْزِلُهَا بِهِ، خُصُوصًا إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْعُقُوبَةُ الأُْخْرَى لاَ تَقْتَصِرُ عَلَى الْجَانِي، بَل تَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ.
(١) الهداية وفتح القدير ٣ / ٤٠، والبدائع ٣ / ٩٩، والخرشي ٣ / ١٧١، ١٧٢، ومغني المحتاج ٣ / ٢٧٩، والمغني لابن قدامة ٧ / ١١٤.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.