للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

منع القران بوعده ووعيده … مقل العيون بليلها أن تهجعا (١)

فهموا عن الملك الكريم كلامه … فهما تذل له الرقاب وتخضعا

وقال له بعض من كان في المجلس حاضرا: يا أبا الفيض من هؤلاء القوم يرحمك الله؟ فقال ويحك هؤلاء قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا، والتراب لجنوبهم مهادا. هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودماءهم، فعزلهم عن الأزواج وحركهم بالإدلاج، فوضعوه على أفئدتهم فانفجرت، وضموه إلى صدورهم فانشرحت، وتصدعت هممهم به فكدحت، فجعلوه لظلمتهم سراجا، ولنومهم مهادا. ولسبيلهم منهاجا، ولحجتهم إفلاجا، يفرح الناس ويحزنون، وينام الناس ويسهرون، ويفطر الناس ويصومون، ويأمن الناس ويخافون. فهم خائفون حذرون، وجلون مشفقون مشمرون، يبادرون من الفوت، ويستعدون للموت. لم يتصغر جسيم ذلك عندهم لعظم ما يخافون من العذاب وخطر ما يوعدون من الثواب، درجوا على شرائع القرآن، وتخلصوا بخالص القربان، واستناروا بنور الرحمن، فما لبثوا أن أنجز لهم القرآن موعوده، وأوفى لهم عهوده، وأحلهم سعوده، وأجارهم وعيده، فنالوا به الرغائب، وعانقوا به الكواعب، وأمنوا به العواطب وحذروا به العواقب، لأنهم فارقوا بهجة الدنيا بعين قالية، ونظروا إلى ثواب الآخرة بعين راضية، واشتروا الباقية بالفانية، فنعم ما اتجروا ربحوا الدارين، وجمعوا الخيرين، واستكملوا الفضلين، بلغوا أفضل المنازل، بصبر أيام قلائل، قطعوا الأيام باليسير، حذار يوم قمطرير، وسارعوا في المهلة، وبادروا خوف حوادث الساعات، ولم يركبوا أيامهم باللهو واللذات، بل خاضوا الغمرات للباقيات الصالحات، أو هن والله قوتهم التعب، وغير ألوانهم النصب، وذكروا نارا ذات لهب، مسارعين إلى الخيرات منقطعين عن اللهوات، بريئون من الريب والخنا، فهم خرس فصحاء، وعمي بصراء. فعنهم تقصر الصفات؛ وبهم تدفع النقمات، وعليهم تنزل البركات، فهم أحلى الناس منطقا ومذاقا، وأوفى


(١) فى ح - تهجع، وتخضع.

<<  <  ج: ص:  >  >>