وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِامْتِنَاعَ الَّذِي تُفِيدُهُ (لَوْ) مُتَفَاوِتُ الْمَعْنَى وَمَرْجِعُهُ إِلَى أَنَّ شَرْطَهَا وَجَوَابَهَا مَفْرُوضَانِ فَرْضًا وَغَيْرُ مَقْصُودٍ حُصُولُ الشَّرْطِ فَقَدْ يَكُونُ مُمْكِنَ الْحُصُولِ وَقَدْ يَكُونُ مُتَعَذِّرًا وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِالِانْتِفَاءِ دُونَ الِامْتِنَاعِ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ يُوهِمُ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنِ الْحُصُولِ فَأَمَّا الِانْتِفَاءُ فَأَعَمُّ، وَأَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ بَعْدَهَا مَاضِيًا أَوْ مُضَارِعًا لَيْسَ لِمُرَاعَاةِ مِقْدَارِ الِامْتِنَاعِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لِمَقَاصِدَ أُخْرَى مُخْتَلفَة بالاختلاف مَفَادِ الْفِعْلَيْنِ فِي مَوَاقِعِهَا فِي الشُّرُوطِ وَغَيْرِهَا، إِذْ كَثِيرًا مَا يُرَادُ تَعْلِيقُ الشَّرْطِ بِلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ نَحْوُ قَوْلِ تَوْبَةَ:
وَلَوْ تَلْتَقِي أَصْدَاؤُنَا بَعْدَ مَوْتِنَا ... وَمِنْ بَيْنِ رَمْسَيْنَا مِنَ الْأَرْضِ سَبْسَبُ
لَظَلَّ صَدَى صَوْتِي وَإِنْ كُنْتُ رِمَّةً ... لِصَوْتِ صَدَى لَيْلَى يَهَشُّ وَيَطْرَبُ
فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَمِثْلُهُ هَذِه الْآيَة.
[١٦٦، ١٦٧]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ١٦٦ إِلَى ١٦٧]
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)
إِذْ ظَرْفٌ وَقَعَ بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنْ ظَرْفِ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ [الْبَقَرَة: ١٦٥] أَيْ لَوْ تَرَاهُمْ فِي هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ حَالَ رُؤْيَتِهِمُ الْعَذَابَ وَهِيَ حَالَةٌ فَظِيعَةٌ وَتَشْتَمِلُ عَلَى حَالِ اتِّخَاذ لَهُم وتبرئ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ وَهِيَ حَالَةٌ شَنِيعَةٌ وَهُمَا حَاصِلَانِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ.
وَجِيءَ بِالْفِعْلِ بَعْدَ (إِذْ) هُنَا مَاضِيًا مَعَ أَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِي الْآخِرَةِ تَنْبِيهًا عَلَى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ فَإِنْ دَرَجْتَ عَلَى أَنَّ إِذْ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا ظَرْفًا لِلْمَاضِي عَلَى رَأْيِ جُمْهُورِ النُّحَاةِ فَهِيَ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّحْقِيقِ مِثْلَ الْفِعْلِ الْمَاضِي الَّذِي مَعَهَا فَتَكُونُ تَرْشِيحًا لِلتَّبَعِيَّةِ، وَإِنْ دَرَجْتَ عَلَى أَنَّهَا تَرِدُ ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَنَسَبَهُ فِي «التَّسْهِيلِ»
إِلَى بَعْضِ النُّحَاةِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمرَان: ١٥٢] عَلَى أَنْ يَكُونَ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ هُوَ الْمَوْعُودَ بِهِ وَقَالَ:
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ [غَافِر: ٧١] فَيَكُونُ الْمَجَازُ فِي فِعْلِ تَبَرَّأَ خَاصَّةً.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.