دُونَ أَنْ يُؤْتَى بِضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ الْمُخَاطَبِينَ لِمَا فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الْكِنَايَةِ مِنَ الْبَلَاغَةِ وَالْمُبَالَغَةِ مَعَ الْإِيجَازِ فِي لَفْظِ الضَّمِيرِ.
وَالِاسْتِفْهَامُ تَقْرِيرِيٌّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ شَأْنُ الِاسْتِفْهَامِ الدَّاخِلِ عَلَى النَّفْيِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْبَقَرَة: ٣٣] أَيْ أَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ وَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِمَا يَجْرِي فِيهِمَا مِنَ الْأَحْوَالِ، فَهُوَ مُلْكُهُ أَيْضًا فَهُوَ يُصَرِّفُ الْخَلْقَ كَيْفَ يَشَاءُ. وَقَدْ أَشَارَ فِي «الْكَشَّافِ» إِلَى أَنَّهُ تَقْرِيرِيٌّ وَصَرَّحَ بِهِ الْقُطْبُ فِي «شَرْحِهِ» وَلَمْ يُسْمَعْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اسْتِفْهَامٌ دَخَلَ عَلَى النَّفْيِ إِلَّا وَهُوَ مُرَادٌ بِهِ التَّقْرِيرُ.
وَقَوْلُهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُوَ مُتَنَزِّلٌ مِنَ الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ مَنْزِلَةَ الدَّلِيلِ لِأَنَّ الَّذِي يَكُونُ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا جَرَمَ أَنْ يَكُونَ قَدِيرًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَلِذَا فُصِلَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَعِنْدِي أَنَّ مُوجِبَ الْفَصْلِ هُوَ أَنْ هَاتِهِ الْجُمْلَةَ بِمَنْزِلَةِ التَّكْرِيرِ لِلْأُولَى لِأَنَّ مَقَامَ التَّقْرِيرِ وَمَقَامَ التَّوْبِيخِ كِلَاهُمَا مَقَامُ تَكْرِيرٍ لِمَا بِهِ التَّقْرِيرُ وَالْإِنْكَارُ تَعْدِيدًا على الْمُخَاطب.
[١٠٨]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٠٨]
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨)
(أَمْ) حَرْفُ عَطْفٍ مُخْتَصٌّ بِالِاسْتِفْهَامِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ التَّسْوِيَةُ (١) فَإِذَا عَطَفْتَ أَحَدَ مُفْرَدَيْنِ مُسْتَفْهِمًا عَنْ تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا اسْتِفْهَامًا حَقِيقِيًّا أَوْ مُسَوًّى بَيْنَهُمَا فِي احْتِمَالِ الْحُصُولِ فَهِيَ بِمَعْنَى (أَوِ) الْعَاطِفَةِ وَيُسَمِّيهَا النُّحَاةُ مُتَّصِلَةً، وَإِذَا وَقَعَتْ عَاطِفَةً جُمْلَةً دَلَّتْ عَلَى انْتِقَالٍ مِنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ إِلَى اسْتِفْهَامٍ فَتَكُونُ بِمَعْنَى بَلِ الِانْتِقَالِيَّةِ وَيُسَمِّيهَا النُّحَاةُ مُنْقَطِعَةً
وَالِاسْتِفْهَامُ مُلَازِمٌ لِمَا بَعْدَهَا فِي الْحَالَيْنِ. وَهِيَ هُنَا مُنْقَطِعَةٌ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهَا فِي مَعْنَى الْخَبَرُ لِأَنَّهُمَا لِلتَّقْرِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنَّ وُقُوعَهُمَا فِي صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَلَوْ لِلتَّقْرِيرِ يَحْسُنُ موقع (أم) بعد هما كَمَا هُوَ الْغَالِبُ والاستفهام الَّذِي بعد هما هُنَا إِنْكَارٌ وَتَحْذِيرٌ، وَالْمُنَاسَبَةُ فِي هَذَا الِانْتِقَالِ تَامَّةٌ فَإِنَّ التَّقْرِيرَ
(١) لِأَن التَّحْقِيق أَن همزَة التَّسْوِيَة همزَة اسْتِفْهَام تدل على اسْتِوَاء أَمريْن بِمَعْنى اسْتِوَاء الْجَواب لَو سَأَلَ سَائل عَن أحد أَمريْن.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.