حتى يُقَدِّمَ نَفْسَهُ لِلْمَوْتِ، كما قدمنا إيضاحه (١) في البقرة في قوله: {فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ}[البقرة: الآية ٥٤] أي: فَقَدَّمْتُمْ أنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ، هذه التوبة التي تجر الإنسان إلى أن يقدم نفسه صابراً محتسباً على الموت توبة عظيمة سَجَّلَها لهم القرآن؛ ولذلك ربما أُطلق عليهم اسم:(الذين هادوا): تابوا؛ أي: بتلك التوبة المعروفة، وإن كانت هذه حسنة فخسائسهم المذكورة في القرآن لا تكاد أن تُحْصَر.
{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}{كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} معناه: أن كل حيوانٍ له إصبع فيها ظفر حرام على اليهود، ومن ذلك: الإبل، والنعام، والإوَز، والبط، وما جرى مجرى ذلك؛ لأن كل هذه من ذوات الظفر، فكل حيوانٍ ذي ظفر كان محرَّماً على اليهود جِميعه؛ شحمه ولحمه، كالنعام، وكالإبل، وكالبط، والإوَزّ، وما جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ (٢).
وقول بعض العلماء: الظّفُر: الحافر، فإنه يحرم عليهم كل ذوات حافر (٣)، غير صحيح؛ لأنهم يعدّون أظلاف البقر والغنم من ذوات الحوافر، ولحومهما مباحة لهم كما سيأتي.
وقول بعضهم: المراد بذات الظفر هي: ذات المخالب، أو ذات السباع من الطير (٤). لا يُسَاعِدُهُ لَفْظُ الْقُرْآنِ، فالصَّحِيحُ أنَّهُ مَا
(١) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة. (٢) انظر: ابن جرير (١٢/ ١٩٨)، القرطبي (٧/ ١٢٥). (٣) انظر: القرطبي (٧/ ١٢٥). (٤) المصدر السابق. ولفظه: وقيل: يعني كل ذي مخلب من الطير، وذي حافر من الدواب. اهـ.