في الرحم لحرّم الجميع، فتبين كذبهم وبطلانهم، ثم أتبع هذا بقوله:{فَمَنْ أَظْلَمُ}؛ لأنهم لما أعيتهم الحجة، ذكر المؤرخون أن رئيسهم الذي ناظر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا مالك بن عوف الجُشَمي الهوازني، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:«إذا كنتم تحرمون الذكور فَلِمَ فرقتم بين ذَكَرٍ وذَكَرٍ؟ وإذا كنتم تحرِّمون الإناث فما العِلَّة التي فَرَّقْتُمْ بِهَا بَيْنَ أنْثَى وأُنْثَى، أو الله أمَرَكُمْ بهذا؟»{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا}[الأنعام: الآية ١٤٤] فَبُهِتَ وسكت (١).
وكانوا إذا عجزوا وغُلِبُوا بالدليل قالوا: وجدنا عليها آباءَنَا والله أمرنا بها، فقطع الله دابر ذلك أيضًا فقال:{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً} وقال: إنه أمره بالباطل {قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء}[الأعراف: الآية ٢٨] لأجل أن يضل الناس بغير علم، أي: بتشريع جاهلي بغير علم {إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وهذه الآية يدخل فيها كُلّ مَنْ قَال بأمورٍ لا توافق الشرع، ودعا خلقاً يتبعونه إليها فإنه يدخل في عمومها.
وقوله:{لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فيه سؤال معروف؛ لأن
(١) هذه الرواية أوردها البغوي في التفسير (٢/ ١٣٧)، وأبو حيان في البحر (٤/ ٢٣٩) دون عزوٍ لمن خرّجها. ولمالك بن عوف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم عليه حديث له تعلق بهذه الآية لكنه بسياق آخر غير هذا. وقد أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٣)، (٤/ ١٣٦، ١٣٧)، والطيالسي ص ١٨٤، وابن جرير (١١/ ١٢١، ١٢٢)، والبيهقي في السنن (١٠/ ١٠)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٢٠)، وعزاه السيوطي في الدر (٢/ ٣٣٧) لعبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات.