فكأنه يقول: حرمتم بعض هذه الإناث، وحللتم بعضها، وحرمتم بعض الذكور، وحللتم بعضها، وفرقتم بين ما في بطون الأنعام فقلتم: إنه خالص للذكور، محرم على الأزواج، فرقتم بين هذه الأحكام، فلا يخلو تفريقكم بينها من أحد أمرين في التقسيم الصحيح: إما أن يكون مُعَلّلاً بعلة معقولة، وإما أن يكون تعبديًّا.
وهذا الحصر هو المُعَبَّر عنه بالتقسيم في اصْطِلَاح الأصوليين والجَدَلِيين، والمُعَبَّر عنه بالشرطي المنْفَصِل في اصطلاح المنطقيين، فكأنه يقول: لا يخلو الحال من أمرين: إما أن يكون مُعَللاً، وإما أن يكون تعبديّاً. ثم قال - مثلًا - بناءً على أنه مُعلل: إما أن تكون العلة في الذكور: الذكورة، وفي [الإناث](١): الأنوثة، أو التخلق في الرحم، فلو كانت العلة الذكورة لحرم كل ذكر، ولم يحرم الحَامَ دون غيره من الذكور، ولو كانت العلة الأنوثة لحرمت كل أنثى، ولم يختص بالبحيرة والسائبة والوصيلة، ولو كانت العلة اشتمال الرحم، لحرم الجميع، وحرم اللبن أيضًا الذي فَرَّقْتُمْ فيه، فحرم الجميع.
ثم قال بناء على أنه تعبُّدِيٌّ أبطله بقوله:{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ} أم كنتم حاضرين حتى قال لكم الله: هذا حلال وهذا حرام؟ فهذا باطل أيضًا، فبين أن جميع دعاويهم أنها باطلة كلها بهذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم، وقد بَيَّنَّا أن هذا الدليل من أمهات الجدل العظام،