اللازم أن يحرم كل ذكر لاطراد العلّة، وإن كانت الأنوثة لزم أن تحرم كل أنثى لاطراد العلّة، وإن كان كونه في البطون - مشتملة عليه الرحم - لزم أن يحرم كل مولود من ذكر وأنثى، وكل لبن؛ لأن الكُلّ اشتملت عليه الرحم!! فكأنه يقول: تفريقكم هذا باطل؛ لأنه لو كانت العلة الذكورة لحرم ذكر الضأن والمعز معًا وأنثاهما كُلاًّ، ولو كانت التخلق في الرحم لحرم ما اشتملت عليه الرحم مطلقًا، فَلِمَ حَرَّمْتُم بعض هذا، وحللتم بعض هذا؟ وما الفارق بين ما حللتم وحرمتم؟
ثم قال:{وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ} الجمل والناقة، {وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} البقرة والثور، ثم أعاد القضية {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ} عجّزهم في الأول، فقال:{نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ} أخْبِرُونِي عن هذا الذي حَرَّمْتُمْ، وهذا الذي حللتم، ما وجه تحريمكم لهذا وتحليلكم لهذا مع استواء الجميع؟! وقال في الثاني:{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا فَمَنْ}؟
وآية الأنعام هذه مثال معروف لِعُلَمَاءِ الجَدَلِ للدليل الذي يسميه الجدليون:(الترديد والتقسيم)(١)، ويسميه المنطقيون:(الشَّرْطي المُنْفَصل)(٢) ويسميه الأصوليون: (السبر والتقسيم)(٣)،
(١) انظر: الكافية في الجدل ص ٣٩٤، علم الجذل في علم الجدل للطوفي ص٦٠، الإيضاح لابن الجوزي ص٨٠، الجدل لابن عقيل ص ١٩، البحر المحيط للزركشي (٥/ ٢٢٥)، القبس لابن العربي (٣/ ١٠٧٠) وفي المصدرين الأخيرين تجد النص على هذه الآية. (٢) انظر: إيضاح المبهم للدمنهوري ص٩٠، تسهيل المنطق ص٤٣. (٣) انظر: شرح الكوكب المنير (٤/ ١٤٢)، المذكرة في أُصول الفقه ص٢٥٧.