حيث حصر جميع الأوصاف، ثم أبطلها كلها، ولا يكون بهذا المعنى إلا عند الجدليين؛ لأنه عند الأصوليين لا يكون إلا في مسالك العلّة، ولا بد أن يبقى وصف صحيح هو العلّة. كأن تقول: العلّة في تحريم البر: إما أن تكون الطَّعْم، أو الكيل، أو الاقتيات والادخار، فلا بد أن تُبطل بعض الأوصاف، وتترك وصفاً صالحاً في زَعْمِكَ، تقول: إنه علّة.
وقد ذكرنا في كثير من المناسبات (١) وفي بعض ما كتبنا في الكتب (٢) أشياء كثيرة عن هذا الدليل، وذكرنا له آثاراً تاريخية في العقائد، وآثاراً تاريخية في الآداب، وذكرنا له أمثلة قرآنية.
فمن أمثلته القرآنية: هذه الآية، ومن أمثلته القرآنية قوله:{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}[الطور: الآية ٣٥] فكأنه يقول: لا يخلو حالهم من واحدة من ثلاث حالات: إما أن يكونوا خَلَقُوا أنفسهم، أو خُلقوا من غير خالق، أو خَلَقَهم خالق، فهذه ثلاثة أقسام، اثنان منها باطلان بلا نزاع، وهو كونهم خلقوا أنفسهم، أو خُلقوا من غير خالق، فتغلب القسم الثالث أن لهم خالقًا هو رب السماوات والأرض، تجب عليهم طاعته وعبادته، ولا نطيل من أمثلته في القرآن، ونقتصر على أن نذكُر له أثراً تاريخيّاً في العقائد، وأثراً تاريخيّاً في الآداب.
(١) راجع ما تقدم عن تفسير الآية (١١٥) من سورة الأنعام، وما سيأتي عند تفسير الآية (٣٠) من سورة التوبة. (٢) انظر: نثر الورود (٢/ ٤٨٥)، مذكرة أصول الفقه ص ٢٥٧، آداب البحث والمناظرة (١/ ٤٧)، (٢/ ٧ - ٢٠) أضواء البيان (٤/ ٣٦٥ - ٣٨٤).