أحدها: كلوا من ثمره إذا أثمر، وآتوا حقه، ولا تسرفوا في الإعطاء حتى تتركوا عائلتكم وأولادكم فقراء ليس عندهم شيء يأكلونه. والذين قالوا هذا قالوا: نزلت هذه الآية في المدينة في ثابت بن قيس بن شَمَّاس، كان عنده خمسمائة نخلة فجذَّها، وقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فلم يزل يُطعم الناس حتى راح وليس عنده ثمر، فنزل:{وَآتُواْ حَقَّهُ}(١).
{وَلَا تُسْرِفُواْ} في الإيتاء حتى لا تتركوا لأنفسكم ولعيالكم ما يأكلون، وهذا التفسير كقوله:{وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}[الإسراء: الآية ٢٩]، وقوله:{وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}[الفرقان: الآية ٦٧].
وقال بعض العلماء: لا تسرفوا في شيء من الأعمال؛ لأن الإسراف كله مذموم.
وقال بعض العلماء: إنه راجع إلى قوله: {وكُلُواْ} أي: كلوا من ثمره ولا تسرفوا في الأكل، كما قال:{وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ}[الأعراف: الآية ٣١] وهذا أظهرها؛ لأن الإسراف في الأكل معروف معهود النهي عنه في الكتاب والسنة.
{إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} المسرفون: جمع المُسرف، اسم فاعل الإسراف، وأصل الإسراف: مجاوزة الحَدّ. تقول: أسْرَفَ فِي الشَّيْءِ: إِذَا جَاوَزَ بِهِ حَدَّهُ، وهو مُسْرِفٌ على نفسه: إذا كان يَتَعَدَّى
(١) أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٧٤) عن ابن جريج مرسلاً. وعزاه في الدر (٣/ ٤٩) لابن أبي حاتم. والرواية التي أخرجها ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٣٩٩) إنما هي عن معاذ لا ثابت بن قيس. والله أعلم.