للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

السجدةِ: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ} [السجدة: الآية ٣] إِذِ اللَّهُ تعالى يُصَرِّحُ بأنهم لم يَأْتِهِمْ نذيرٌ، فليسَ لأحدٍ أن يقولَ: إن [١٨/أ] عندهم نَذَارَةٌ باقيةٌ يُعَاقَبُونَ /عليها. ويقول: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ} [المائدة الآية ١٩] فَصَرَّحَ بأنها فَتْرَةٌ.

أما الوجهُ الرابعُ، وهو ذَكَرَتْهُ بعضُ الأحاديثِ، كحَدِيْثَي مسلمٍ الذي ذَكَرْنَا، وهو محلُّ مناقشةٍ طويلةٍ عريضةٍ بَيْنَ العلماءِ.

أجابَ المخالفونَ قالوا: حَدِيثَا مُسْلِمٍ هما خَبَرَا آحَادٍ، فلا يُقَدَّمَانِ على القاطعِ؛ لأَنَّ قَوْلَهُ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: الآية ١٥] دليلٌ قاطعٌ متواترٌ محفوظٌ لا يمكنُ أن يكونَ كَذِبًا بِحَالٍ، وهو صريحُ الدلالةِ ظاهرُها، وحديثُ مسلمٍ وما جَرَى مَجْرَاهُ أخبارُ آحَادٍ، والمتواتراتُ تُقَدَّمُ على الآحادِ.

وَأَجَابَ المخالفونَ عن هذا، قالوا: لَا نُسَلِّمُ هذا؛ لأن حَدِيثَيْ مُسْلِمٍ ونحوِهما أحاديثُ خاصةٌ، والآياتُ التي ذَكَرْتُمْ عامةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ على العامِّ؛ لأن المقررَ في الأصولِ: أنه لَا يتعارضُ عَامٌّ وَخَاصٌّ، بل يُقَدَّمُ الخاصُّ على العامِّ، إلا عندَ الإمامِ أبِي حنيفةَ - رحمه الله (١) - فإن المقررَ في أصولِه: أن الخاصَّ لَا يُقَدَّمُ على


(١) في مسألة تقديم الخاص على العام انظر: الفروق للقرافي (١/ ٢٠٩ - ٢١٢)، البرهان للجويني (٢/ ٧٧٣، ٧٧٤)، نهاية السول (٢/ ١٦٢)، (٣/ ٢٣٩)، إحكام الفصول ١٦٠، إيثار الحق على الخلق ١٠٢. وانظر هذه المسألة وما ينبني عليها من الفروع في كتاب: أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء ص ٢١٥ - ٢٢٩، وتفسير النصوص لمحمد أديب الصالح (٢/ ٨٣) فما بعدها.

<<  <  ج: ص:  >  >>