أما الوجهُ الرابعُ، وهو ذَكَرَتْهُ بعضُ الأحاديثِ، كحَدِيْثَي مسلمٍ الذي ذَكَرْنَا، وهو محلُّ مناقشةٍ طويلةٍ عريضةٍ بَيْنَ العلماءِ.
أجابَ المخالفونَ قالوا: حَدِيثَا مُسْلِمٍ هما خَبَرَا آحَادٍ، فلا يُقَدَّمَانِ على القاطعِ؛ لأَنَّ قَوْلَهُ:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}[الإسراء: الآية ١٥] دليلٌ قاطعٌ متواترٌ محفوظٌ لا يمكنُ أن يكونَ كَذِبًا بِحَالٍ، وهو صريحُ الدلالةِ ظاهرُها، وحديثُ مسلمٍ وما جَرَى مَجْرَاهُ أخبارُ آحَادٍ، والمتواتراتُ تُقَدَّمُ على الآحادِ.
وَأَجَابَ المخالفونَ عن هذا، قالوا: لَا نُسَلِّمُ هذا؛ لأن حَدِيثَيْ مُسْلِمٍ ونحوِهما أحاديثُ خاصةٌ، والآياتُ التي ذَكَرْتُمْ عامةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ على العامِّ؛ لأن المقررَ في الأصولِ: أنه لَا يتعارضُ عَامٌّ وَخَاصٌّ، بل يُقَدَّمُ الخاصُّ على العامِّ، إلا عندَ الإمامِ أبِي حنيفةَ - رحمه الله (١) - فإن المقررَ في أصولِه: أن الخاصَّ لَا يُقَدَّمُ على
(١) في مسألة تقديم الخاص على العام انظر: الفروق للقرافي (١/ ٢٠٩ - ٢١٢)، البرهان للجويني (٢/ ٧٧٣، ٧٧٤)، نهاية السول (٢/ ١٦٢)، (٣/ ٢٣٩)، إحكام الفصول ١٦٠، إيثار الحق على الخلق ١٠٢. وانظر هذه المسألة وما ينبني عليها من الفروع في كتاب: أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء ص ٢١٥ - ٢٢٩، وتفسير النصوص لمحمد أديب الصالح (٢/ ٨٣) فما بعدها.