وكان أبو حنيفةَ يقول: هذا الحديثُ خاصٌّ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» لا أُقَدِّمُهُ على العامِّ الذي هو: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وقد جَهِلْنَا التاريخَ، فلم نَعْرِفْ أيهما المتأخرُ حتى نُقَدِّمَهُ؛ ولذا أَوْجَبَ الزكاةَ في كُلِّ شيءٍ خرج من الأرضِ قليلاً أو كثيرًا، تبرئةً للذمةِ، وعدمِ تقديمٍ للخاصِّ على العامِّ (٤).
وَأَجَابَ المخالفونَ عن هذا بمناقشةٍ أُخْرَى، قالوا: لو سَلَّمْتُمْ هذا الْخَاصَّ، وقلتُم: إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ثَبَتَ عنه في بعضِ الأحاديثِ أن اللَّهَ عَذَّبَ أحدَ أهلِ الفترةِ - لو قَدَّمْنَا هذا الخاصَّ - لَانْتَفَتِ الحكمةُ الَّتِي تَمَدَّحَ اللَّهُ بها، وَأَثْنَى بها على نفسِه؛ لأَنَّ اللَّهَ تَمَدَّحَ وَأَثْنَى على نفسِه بأنه بالغٌ من العدلِ والإِنْصَافِ مَا لَمْ يُعَذِّبْ
(١) انظر: تيسير التحرير (١/ ٢٦٧، ٢٧١). (٢) أخرجه البخاري في الزكاة، باب العشر فيما يُسقى من السماء ... ، حديث رقم: (١٤٨٣)، (٣/ ٣٤٧) من حديث عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) بلفظ مقارب لما ذكر الشيخ (رحمه الله) هنا. وأخرج مسلم نحوه من حديث جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما)، كتاب الزكاة، حديث رقم: (٩٨١)، (٢/ ٦٧٥). (٣) أخرجه البخاري في الزكاة، باب ما أُدي زكاته فليس بكنز، حديث رقم: (١٤٠٥)، (٣/ ٢٧١) وأطرافه: (١٤٤٧، ١٤٥٩، ١٤٨٤). ومسلم في الزكاة، حديث رقم: (٩٧٩)، (٢/ ٦٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه)، كما أخرجه من حديث جابر (رضي الله عنه) (٩٨٠)، (٢/ ٦٧٥) .. (٤) انظر: المبسوط للسرخسي (٣/ ٣).