إبراهيمَ وغيرِه من الرسلِ الذين كانوا قَبْلَ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم -، فهذا الوجهُ جَزَمَ به النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (١)، وَمَالَ إليه ابنُ قاسمٍ العباديُّ في الآياتِ البيناتِ (٢)، وهو قولٌ باطلٌ بشهادةِ القرآنِ، وأنا أستغربُ كيف يقولُه عالمٌ كالعباديِّ والنوويِّ؟! مع أن الآياتِ القرآنيةَ صريحةٌ في بطلانِه غايةَ الإبطالِ؛ لأن معناه أن الأُمَّةَ التي بُعِثَ فيها النبيُّ كان مَنْ مَاتَ منها يُعَذَّبُ بسببِ نَذَارَةِ إبراهيمَ، وَاللَّهُ يصرحُ فِي آياتٍ كثيرةٍ أن الأمةَ التي بَعَثَ فيها مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - لَمْ تَكُنْ عندَها نذارةٌ أَلْبَتَّةَ مِنْ أَحَدٍ، من ذلك قولُه في سورةِ (يس): {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ}[يس: الآية ٦] و (ما) في قولِه: {مَّا
أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} نافيةٌ قَطْعًا. وَمَنْ قال: إنها موصولةٌ فهو غالطٌ. والدليلُ على أنها نافيةٌ أنه قال: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)} [يس: الآية ٦] ولو كانت موصولةً لَمَا قال: {فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)}. ومنها قولُه في سورةِ القصصِ:{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ}[القصص: الآية ٤٦] فَصَرَّحَ بأنهم ما أتاهم مِنْ نذيرٍ، وقد تَقَرَّرَ فِي علمِ الأصولِ: أن النكرةَ في سياقِ النفيِ إن زِيدَتْ قبلَها لفظةُ (مِنْ) كانت نَصًّا صريحًا فِي العمومِ (٣)، وقاله شيخُ النحوِ سيبويه (٤) إنها إن زِيدَتْ قَبْلَهَا (مِنْ) كانت صَرِيحًا في العمومِ، فهي تَعُمُّ نَفْيَ كُلِّ نَذِيرٍ. ومنه قولُه تعالى فِي سورةِ سبأ: {وَمَا آتَيْنَاهُم مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ (٤٤)} [سبأ: الآية ٤٤] ومنه قولُه في سورةِ
(١) انظر: شرح مسلم (١/ ٤٨٢). (٢) انظر: الآيات البينات (٤/ ٢٦٢). (٣) مضى عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام. (٤) الكتاب (٢/ ٣١٥، ٣١٦)، (٤/ ٢٢٥).