الوجهُ الرابعُ: هو ما ذَكَرْنَا من الأحاديثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من أنه ذَكَرَ أن بعضَ أهلِ الفترةِ في النارِ.
وأجابَ القائلونَ [بِعُذْرِهِمْ بالفترةِ](١) عن هذه الأوجهِ الأربعةِ رَادِّينَ لها، مُجِيبِينَ عن كُلِّ وَاحِدٍ، فقالوا: قولكم: «إِنَّ الْعَذَابَ يَخْتَصُّ بِالدُّنْيَا». فالدليلُ على أنه باطلٌ أَمْرَانِ:
أحدُهما: أنه خلافُ ظاهرِ القرآنِ، واللَّهُ لم يُخَصِّصْ بعذابِ الدنيا دونَ عذابِ الآخرةِ. فلم يَقُلْ: وما كنا مُعَذِّبِينَ في الدنيا. حتى تقصروا الظاهرَ عليه، وظاهرُ القرآنِ لا يجوزُ العدولُ عنه إلا بدليلٍ يجبُ الرجوعُ إليه (٢)، ولا دليلَ عندكم من ظاهرِ القرآنِ.
الوجهُ الثاني قالوا: إِنَّ اللَّهَ صَرَّحَ لنا في كتابِه أن الذين عَذَّبَهُمْ في النارِ أَنْذَرَهُمْ في دارِ الدنيا على ألسنةِ رُسُلِهِ، كقولِه: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى} [الملك: الآيتان ٨، ٩] إلى آخِرِ الآياتِ التي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا.
وَأَجَابُوا عن كونِ الأمرِ الواضحِ لا عُذْرَ فيه بِأَمْرَيْنِ:
أحدُهما: أن ظاهرَ القرآنِ لم يُفَرِّقْ بَيْنَ الأمرِ الواضحِ وغيرِه، ولا يجوزُ العدولُ عن ظاهرِه إلا بدليلٍ.
الثانِي: أن اللَّهَ صَرَّحَ بأنه ما عَذَّبَ على ذلك الأمرِ الواضحِ أَحَدًا إلا بعدَ إنذارِ الرسلِ في دارِ الدنيا: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى} [الملك: الآيتان ٨، ٩].
أما قولُ مَنْ قَالَ: إنهم كانت عندهم بقيةُ نَذَارَةٍ مِنْ نَذَارَةِ
(١) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق. (٢) مضى عند تفسير الآية (٥٦) من سورة البقرة.