أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [يونس: الآيتان ٢٢، ٢٣] والآياتُ في مثل هذا كثيرةٌ، ومعلومٌ في التاريخِ أن سببَ إسلامِ عكرمةَ بنِ أبي جهلٍ رضي الله عنه: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا فَتَحَ مكةَ خَرَجَ عكرمةُ بنُ أَبِي جهلٍ لشدةِ عداوتِه للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه قَتَلَ أَبَاهُ يومَ بدرٍ. شَرَدَ هاربًا إلى الحبشةِ، فَرَكِبَ في قومٍ سفينةً من البحرِ الأحمرِ إلى الحبشةِ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا دَاخِلَ البحرِ هَاجَتْ عليهم الريحُ، وَاضْطَرَبَتْ أمواجُ البحرِ، ورأوا الهلاكَ، وَظَنُّوا الموتَ، فإذا جميعُ مَنْ في السفينةِ يَتَنَادَوْنَ ويقولونَ من أطرافِ السفينةِ: أَلَا فَلْيَحْذَرْ كُلُّ أحدٍ منكم أن يدعوَ في هذا الوقتِ غيرَ اللَّهِ؛ فإنه لا يُنْقِذُ من هذه الكرباتِ إلا هو وحدَه، فَفَهِمَهَا عكرمةُ، ثم قال: وَاللَّهِ إن كانَ لا ينقذُ من كرباتِ البحرِ إلا هو، فلَا ينقذُ من ظلماتِ البرِّ إلا هو. ثم قال: اللَّهُمَّ لكَ عَلَيَّ عَهْدًا إن أنقذتني من هذه لأَضَعَنَّ يدي في يدِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَلأَجِدَنَّهُ رَؤُوفًا رحيمًا. فهدأ البحرُ وسكنوا، فرجعَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَسْلَمَ، وصارَ من فضلاءِ الصحابةِ (١). قالوا: كونُ الكفارِ يعلمونَ أن اللَّهَ هو النافعُ الضارُّ، وأن الأصنامَ جماداتٌ لا تنفعُ ولا تضرُّ، وأنهم إذا كان وقتُ الشدائدِ لجؤوا إلى مَنْ بِيَدِهِ الأمرُ والنهيُ، هذا يدلُّ على أنهم غيرُ مَعْذُورِينَ في عبادةِ الأوثانِ.
الوجهُ الثالثُ: زعموا أن عندَهم بقيةُ نذارةٍ من إرثِ دينِ إبراهيمَ والرسلِ الذين أُرْسِلُوا قَبْلَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٠ - ٤١) من سورة الأنعام.