وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: الآية ٣٣] أي: ولم تَنْقُصْ منه شَيْئًا. إذا عَرَفْتُمْ أن الظلمَ في لغةِ العربِ هو وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، اعلموا أَنَّ وضعَ الشيءِ في غيرِ موضعِه على نَوْعَيْنِ:
أحدُهما: أن يكونَ بَالِغًا في غايةِ القباحةِ والشناعةِ.
والثاني: أن يكونَ دونَ ذلك.
أما وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه البالغ غايةَ الشناعةِ: فهو وضعُ العبادةِ في غيرِ خالقِ السماواتِ والأرضِ، فَمَنْ عَبَدَ غيرَ الذي خَلَقَهُ ورَزَقَهُ فَقَدْ وضعَ الأمرَ في غيرِ موضعِه، فهو أعظمُ الظالمين، وأخبثُ الواضعين للشيءِ في غيرِ موضعِه؛ ولهذا المعنَى (١) كَثُرَ في القرآنِ العظيمِ إطلاقُ الظلمِ مُرَادًا به الكفرُ، وهو أخبثُ أنواعِه، ومنه قولُه: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠)} [الكهف: الآية ٥٠] وقولُه: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)} [البقرة: الآية ٢٥٤] وقولُه: [وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)} [يونس: الآية١٠٦] وقال عن العبدِ الحكيمِ لقمانَ: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)} [لقمان: الآية ١٣] وقد ثَبَتَ في صحيحِ البخاريِّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه فَسَّرَ قولَه في هذه السورةِ الكريمةِ- سورةِ الأنعامِ-: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}[الأنعام: الآية ٨٢] قال: معناه: لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ (٢).
النوعُ الثاني من أنواعِ الظلمِ: هو وضعُ الطاعةِ في غيرِ
(١) مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة. (٢) السابق.