للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

موضعِها، والمعصيةِ في غيرِ معصيتِها (١) بما لا يُؤَدِّي إلى الكفرِ، كَأَنْ يُزَيِّنَ لكَ الشيطانُ أن تعملَ عَمَلاً يُخَالِفُ الشرعَ فتطيعُ الشيطانَ، وتعصِي اللَّهَ، وأنتَ عَالِمٌ أَنَّكَ عاصٍ مُجْرِمٌ، وأنكَ فعلتَ قبيحًا، فهذا ظلمٌ دونَ ظلمٍ، ووضعٌ للطاعةِ في غيرِ موضعِها، والمعصيةِ في غيرِ موضعِها، وليسَ بِكُفْرٍ، وهو ظلمٌ دونَ ظلمٍ. ومنه بهذا المعنَى: قولُه تعالى في سورةِ (فاطر) لَمَّا نَوَّهَ بشأنِ القرآنِ العظيمِ، وأنه أعظمُ فضلٍ أُعْطِيهِ الخلق، وأن جميعَ الأمةِ التي أُعْطِيَ لها هي قد اصطفاها اللَّهُ، وأن كُلَّهَا في الجنةِ، قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: الآية ٣٢] وَبَيَّنَ أن هذا النورَ الْمُنَزَّلَ لا يُعْطِيهِ اللَّهُ إلا لِمَنِ اصطفاهُ واختارهُ، وهو النصيبُ الأعظمُ الأكبرُ الذي يُعْطِيهِ اللَّهُ، ثم قال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} وهذا ظلمٌ دونَ ظلمٍ، كالذي يَعْصِي تارةً ويطيعُ أخرى، مِنَ الذين قال اللَّهُ فيهم: {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: الآية ١٠٢] والعلماءُ يقولونَ: «عسى» مِنَ اللَّهِ واجبةٌ (٢).

{وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} ثم قال: {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)} أي: إِيرَاثُنَا الكتابَ إياهم عن نَبِيِّهِمْ هو الفضلُ العظيمُ عليهم منا؛ فَلِذَا عَلَّمَنَا اللَّهُ أن نحمدَه على هذا الفضلِ العظيمِ في قولِه في أولِ سورةِ الكهفِ:


(١) أي: تكون طاعته تبعًا للنفس، والهوى والشيطان. وتكون معصية لله بدلاً من أن يعصي هواه وشيطانه.
(٢) انظر: ابن جرير (٨/ ٥٧٩) (١٤/ ١٦٧، ٤٤٧)، حجج القرآن ص٨٣، تفسير ابن كثير (٣/ ٣٩٧)، البرهان للزركشي (٤/ ٥٧، ١٥٨، ٢٨٨) الإتقان (٢/ ٢٠٤_٢٠٥)، الكليات ص٢٩٧، ٦٣٥، فتح البيان (٧/ ١١٠_١١١، ١٦٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>