للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

{وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)} [ص: الآيات ٥٥ - ٥٨] وقولُه: {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)} المذكورةُ فِي سورةِ (ص) بَيَّنَتْ أن آيةَ: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَاّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَاّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)} [عم: الآيات ٢٣ - ٢٦] أنها الأحقابُ المقصورةُ عليها الحميمُ والغساقُ، وأن هنالك أشكالاً وأزواجًا أُخَرَ لا نهايةَ لها، كما قال: {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ} قال: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)}. وهذا معنَى قولِه: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّهُ}.

{إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ} الحكيمُ: هو الذي يَضَعُ الأمورَ في مواضعِها، وَيُوقِعُهَا في مواقعِها، فَاللَّهُ لا يضعُ أَمْرًا إلا فِي مَوْضِعِهِ، ولا يُوقِعُهُ إلا في موقعِه، فلَا يُشَرِّعُ شَرْعًا إلا لمصلحةٍ، ولا يَنْهَى عن شيءٍ إلا وهو ضَارٌّ، ولا يعذبُ إلا مَنْ يَسْتَحِقُّ، ولا يُجَازِي بالخيرِ إلا مَنْ مُجَازَاتُهُ له واقعةٌ مَوْقِعَهَا. فأحكامُه كُلُّهَا عدلٌ وأفعالُه وتشريعاتُه وجزاؤُه.

لا يضعُ الأمرَ إلا في موضعِه، ولا يُوقِعُهُ إلا في موقعِه؛ لأنه حكيمٌ خبيرٌ، والحكمةُ إنما [تتمُّ وتتحققُ] (١) بوصفِ العلمِ، فترى الرجلَ القُلَّبَ الحكيمَ الخبيرَ يفعلُ الأمرَ ويظنُّه سدادًا ثم ينكشفُ الغيبُ عن أن فيه غيرَه، ويقولُ: يَا لَيْتَنِي لم أَفْعَلْ، ولو لم أَفْعَلْ لكانَ خَيْرًا!! كما قال الشاعرُ (٢):

لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ مِنِّيَ لَيْتٌ ... إِنَّ لَيْتًا وَإِنْ لَوًّا عَنَاءُ


(١) في هذا الموضع كلمة غير واضحة. وما بين المعقوفين [] زيادة يتم بها الكلام.
(٢) البيت لأبي زبيد الطائي، وهو في الشعر والشعراء ص١٩١ وفي الكتاب لسيبويه (٣/ ٢٦١) فتح الباري (١٣/ ٢٢٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>