فَاللَّهُ وحدَه هو الذي لا يَجْرِي عَلَيْهِ:(لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْ) أو: (لو فعلتُ كذا لكانَ كذا) لأَنَّهُ عالمٌ بعواقبِ الأمورِ، وما تَؤُولُ إليه، فحكمتُه لا اختلالَ فيها. بخلافِ المخلوقينَ، فقد يفعلُ الإنسانُ بوصفٍ يظنُّه حكمةً لجهلِه بما تنكشفُ عنه الغيوبُ؛ ولذا كان الحكيمُ الحكمةَ التامةَ هو وحدَه جل وعلا: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)} قولُه: {عَلِيمٌ (٨٣)} صيغةُ مبالغةٍ؛ لأَنَّهُ (جل وعلا) يحيطُ علمُه بِكُلِّ شيءٍ.
وَاعْلَمُوا أيها الإخوانُ أن وصفَ رَبِّنَا لنفسِه بأنه عليمٌ هو من أكبرِ المواعظِ وأعظمِ الزواجرِ، فَعَلَيْنَا أن نَتَّبِعَهُ، وهو واعظٌ أكبرُ، وزاجرٌ أعظمُ، لا تكادُ تَخْلُو ورقةٌ من المصحفِ منه، كأنه يقولُ: {عَلِيمٌ (١٢٨)} اعْلَمُوا يا عباديَ أني حكيمٌ في تشريعِي، وأني ما أَمَرْتُكُمْ إلا بِمَا فيه الخيرُ لكم، وما نهيتُكم إلا عمَّا فيه الشرُّ لكم، وَأَنَّنِي تَقْتَضِي حِكْمَتِي أن أُعَذِّبَ مَنْ عَصَانِي، وَأُدْخِلَ الجنةَ مَنْ أَطَاعَنِي، وَاعْلَمُوا أني عليمٌ لَا يَفُوتُنِي شيءٌ مما تفعلونَ وما تقولونَ، وما تحدثونَ به أنفسَكم {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)} [غافر: الآية ١٩]. وقد قال جل وعلا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)} [ق: الآية ١٦].