للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وعليه: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ} أَيْ: لأَجْلِ كونِكم مؤمنينَ بآياتِي. قال الكوفيونَ: وَمِنْ هذا المعنَى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)} [الأعلى: آية ٩]، قالوا: مَعْنَاهَا: إِذْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ذَكِّرْ؛ لأَجْلِ أن الذِّكْرَى تنفعُ. قالوا: وهذا أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ. واستدلوا له من أشعارِ العربِ بقولِ الفرزدقِ- وهو عَرَبِيٌّ فصيحٌ قُحٌّ (١) -:

أتَغْضَبُ إِنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتَا ... جِهَارًا وَلَمْ تَغْضَبْ لِقَتْلِ ابْنِ خَازِمِ

قالوا: (إِنْ) هنا بمعنَى (إِذْ)، أَتَغْضَبُ إِذْ حُزَّتْ أُذُنَا قتيبةَ. هذا قولُ البصريين؛ ولذا كُلُّهُ أَجْرَوْهُ على سَنَنٍ واحدٍ. «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قالوا: وإنا لاحقونَ إن شاءَ اللَّهُ ذلك. {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} [الفتح: آية ٢٧] أي: إِنْ شاءَ اللَّهُ ذلك. وهذا قولُ الكوفيين. وأما البصريونَ فَفَصَلُوا بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، قالوا: أما قولُه: {إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ (٩١)} فهي أداةُ شرطٍ جِيءَ بها للتهييجِ والإلهابِ؛ لأن مِنْ عَادَةِ العربِ أن يُهَيِّجُوا المُخَاطَبَ، تقولُ للرجلِ: «إِنْ كنتَ ابنَ الكرامِ، ابنَ فلانٍ وفلانٍ، فَافْعَلْ لِي كَذَا». وليس مقصودُك تعليقَ الشرطِ بالجزاءِ، بل مقصودُك تَهْيِيجَهُ وبعثَه للفعلِ، وهذا أسلوبٌ معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ أحدِ أولادِ الخنساءِ الشاعرةِ (٢):

لَسْتُ لِخَنْسَاءَ وَلَا للأَخْزَمِ ... وَلَا لِعَمْرِو ذِي السَّنَاءِ الأَقْدَمِ

إِنْ لَمْ أَرِدْ فِي الْجَيْشِ جَيْشِ الأَعْجَمِي ... مَاضٍ عَلَى الْهَوْلِ خِضَمٍّ خِضْرِم


(١) البيت في الكتاب لسيبويه (٣/ ١٦١)، مغني اللبيب (١/ ٢٤)، خزانة الأدب (٣/ ٦٥٥)، الدر المصون (٤/ ١٩٣).
(٢) البيتان في الاستيعاب (٤/ ٢٩٧)، الإصابة (٤/ ٢٨٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>