للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يقعُ الشرطُ فيقعُ الجزاءُ، وقد لا يقعُ الشرطُ فلا يقعُ الجزاءُ. وقولُه: {إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)} يُفْهَمُ من «إِنْ» الشرطيةِ أنهم قد يكونونَ مؤمنينَ وَقَدْ يكونونَ غيرَ مُؤْمِنِينَ، وَهُمْ مؤمنونَ حَقًّا قَطْعًا، فَمِنْ هذا جاءَ الإشكالُ في (إِنْ) هذه، وهذا كثيرٌ فِي القرآنِ، كقولِه للمؤمنينَ: {إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ (٩١)} وكقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ زيارةِ القبورِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (١)

وهم لاحقونَ بهم قَطْعًا يَقِينًا. وكقولِه جل وعلا: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: آية ٢٧] وهم دَاخِلُوهُ قَطْعًا بِلَا شَكٍّ، فما وجهُ التعليقِ بأداةِ الشرطِ التي هي (إِنْ) التي تَدُلُّ على أَنَّ جزاءَ الشرطِ قد يَقَعُ، وقد لا يَقَعُ، مع أنها أمورٌ مُحَقَّقَةٌ؟ هذا وجهُ الإشكالِ. وهذه مسألةٌ عربيةٌ معروفةٌ، وهي من مسائلِ العربيةِ الكبارِ المشهورةِ التي اختلفَ فيها علماءُ البصرةِ وعلماءُ الكوفةِ من النحاةِ (٢)، فَذَهَبَ عامةُ علماءِ الكوفةِ إلى أَنَّ (إِنْ) في جميعِ هذه الآياتِ بمعنَى (إذْ) التعليليةِ، قالوا: وَتَأْتِي (إنْ) بمعنَى (إِذْ) التعليليةِ،


(١) ورد في هذا المعنى ثلاثة أحاديث: ...
الأول: حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) عند مسلم في الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء. حديث رقم (٢٤٩)، (١/ ٢١٨)، وهو اللفظ الْمُطَابِقُ لِمَا ذكرَ الشيخُ (رحمه الله).
الثاني: حديث عائشة (رضي الله عنها) عند مسلم في الجنائز، باب ما يُقال عند دخول المقابر، حديث رقم (٩٧٤)، (١/ ٦٦٩).

الثالت: حديث بريدة (رضي الله عنه) عند مسلم في الجنائز، باب ما يُقال عند دخول المقابر، حديث رقم (٩٧٥)، (١/ ٦٧١).
(٢) انظر: مغني اللبيب (١/ ٢٤)، الدر المصون (٤/ ١٩٢_ ١٩٣)، خزانة الأدب (٣/ ٦٥٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>