للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

إطلاقِ الشيطانِ على المتمردِ العاتِي من غيرِ الإنسِ والجنِّ: حديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» (١).

وقد قَدَّمْنَا في تفسيرِ الاستعاذةِ: أن علماءَ العربيةِ اختلفوا في وزنِ الشيطانِ بالميزانِ الصرفيِّ (٢)، فَذَهَبَ جماعةٌ - وهو أظهرُ القولين اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا سيبويه، كُلٌّ منها في موضعٍ مِنْ كتابِه - أن أصلَ المادةِ التي منها الشيطانُ: هي (الشين والطاء والنون)، فَحُرُوفُهُ الأصليةُ (شطن) والياءُ والألفُ زَائِدَتَانِ، وعليه فَوَزْنُهُ بالميزانِ الصرفيِّ: (فَيْعَال) فاءُ مادتِه: شينٌ، وَعَيْنُهَا: طاءٌ، ولامُها: نونٌ، أصلُها من (شطن)، ومادةُ (شطن) تستعملُها العربُ في البُعدِ، فَكُلُّ شيءٍ بعيدٍ تُطْلِقُ عليه هذا الاسمَ، تقولُ العربُ: «نوًى شطون». أي: بعيدةٌ. و (بئر شطون). أي: بعيدةُ القعرِ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣):

نَأَتْ بِسُعَادَ عَنْكَ نَوًى شَطُونُ ... فَبَانَتْ وَالْفُؤَادُ بِهَا حَزِينُ

وعلى هذا القولِ فوزنُ الشيطانِ بالميزانِ الصرفيِّ (فَيْعَال) واشتقاقُ مادتِه من: (شطن) بمعنَى: (بَعُدَ) ووجهُ المناسبةِ: هو بُعْدُهُ عن رحمةِ اللَّهِ (جل وعلا) لِمَا سَبَقَ له من الشقاءِ الأزليِّ. مما يؤيدُ هذا - أن الشيطانَ من مادةِ (شطن)، وأن وزنَه (فَيْعَال) - هو ما جاء في شعرِ أُميةَ بنِ أبِي الصلتِ الثقفيِّ (٤)، وهو عَرَبِيٌّ جاهليٌّ قُحٌّ:

أَيُّمَا شَاطِنٍ عَتَاهُ عَكَاهُ ... ثُمَّ يُلْقَى فِي السِّجْنِ وَالأَكْبَالِ


(١) مضى عند تفسير الآية (٤٣) من سورة الأنعام.
(٢) السابق.
(٣) البيت للنابغة، وقد مضى عند تفسير الآية (٤٣) من هذه السورة.
(٤) السابق.

<<  <  ج: ص:  >  >>