أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(إلَّا أَنْ يَتَّحِدَ الْمَجْلِسُ) فَالْأَقْسَامُ الْعَقْلِيَّةُ أَرْبَعَةٌ فَفِي قَوْله تَعَالَى {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا} [المزمل: ١٥] {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: ١٦] أُعِيدَتْ النَّكِرَةُ مَعْرِفَةً، وَفِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: ٦] أُعِيدَتْ النَّكِرَةُ نَكِرَةً، وَالْمَعْرِفَةُ مَعْرِفَةً، وَنَظِيرُ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي تُعَادُ نَكِرَةً غَيْرُ مَذْكُورٍ
ــ
[التلويح]
فَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا تَأْكِيدٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ) يَعْنِي لَوْ أَدَارَ صَكًّا عَلَى الشُّهُودِ فَأَقَرَّ عِنْدَهُمْ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِأَلْفٍ فِي ذَلِكَ الصَّكِّ فَالْوَاجِبُ أَلْفٌ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْأَوَّلُ لِكَوْنِهِ مُعْتَرَفًا بِالْمَالِ الثَّابِتِ فِي الصَّكِّ فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِالصَّكِّ بَلْ أَقَرَّ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِلسَّبَبِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَلْزَمُهُ أَلْفَانِ بِشَرْطِ مُغَايَرَةِ الشَّاهِدَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِلْأَوَّلَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، وَبِشَرْطِ عَدَمِ مُغَايَرَتِهِمَا لَهُمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ كَمَا إذَا كُتِبَ لِكُلِّ أَلْفٍ صَكًّا، وَأَشْهَدَ عَلَى كُلِّ صَكٍّ شَاهِدَيْنِ، وَعِنْدَهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَلْفٌ وَاحِدٌ لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ عَلَى أَنَّ تَكْرَارَ الْإِقْرَارِ لِتَأْكِيدِ الْحَقِّ بِالزِّيَادَةِ فِي الشُّهُودِ، وَإِنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ فَاللَّازِمُ أَلْفٌ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا عَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّ لِلْمَجْلِسِ تَأْثِيرًا فِي جَمْعِ الْكَلِمَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَجَعْلِهَا فِي حُكْمِ كَلَامٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا كُلًّا مِنْ الْإِقْرَارَيْنِ بِكَوْنِهِ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ عِنْدَ شَاهِدٍ، وَبِأَلْفٍ عِنْدَ شَاهِدٍ آخَرَ أَوْ بِأَلْفٍ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ، وَأَلْفٍ عِنْدَ الْقَاضِي فَاللَّازِمُ أَلْفٌ، وَاحِدٌ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ بَقِيَ صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يُقِرَّ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مُنَكَّرٍ ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِمَا فِي هَذَا الصَّكِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ أَلْفًا اتِّفَاقًا لِأَنَّ النَّكِرَةَ أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، وَالْأُخْرَى أَنْ يُقِرَّ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِالصَّكِّ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِأَلْفٍ مُنَكَّرٍ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ، وَتَخْرِيجُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللَّازِمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَلْفَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَعْرِفَةٌ أُعِيدَتْ نَكِرَةً فَيَكُونُ الثَّانِي مُغَايِرًا لِلْأَوَّلِ
[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ نَكِرَةٌ تَعُمُّ بِالصِّفَةِ]
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا أَيْ، وَهِيَ نَكِرَةٌ تَعُمُّ بِالصِّفَةِ) يُرِيدُ أَنَّهَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ لِلْخُصُوصِ، وَالْقَصْدُ إلَى الْفَرْدِ كَسَائِرِ النَّكِرَاتِ، وَإِنَّمَا تَعُمُّ بِعُمُومِ الصِّفَةِ كَمَا سَبَقَ فِي لَا يُكَلِّمُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا، وَتَنْكِيرُهَا حَالَ الْإِضَافَةِ إلَى النَّكِرَةِ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْإِضَافَةِ إلَى الْمَعْرِفَةِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآحَادِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْرِفَةً بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وَالْمُرَادُ بِوَصْفِهَا الْوَصْفُ الْمَعْنَوِيُّ لَا النَّعْتُ النَّحْوِيُّ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ بَعْدَهَا قَدْ تَكُونُ خَبَرًا أَوْ صِلَةً أَوْ شَرْطًا، وَقَدْ صَرَّحُوا فِي قَوْله تَعَالَى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا} [هود: ٧] أَنَّهَا نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِحُسْنِ الْعَمَلِ، وَهُوَ عَامٌّ فَعَمَّتْ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّهَا مُبْتَدَأٌ، وَأَحْسَنُ عَمَلًا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.