ومثال ذلك: قوله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ لعلي - رضي الله سبحانه وتعالى عنه -: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي "(١) فدواعي بني أمية على الطعن في هذا الحديث الشريف متوفرة، لاقتضائه خلافة سيدنا علي - رضي الله سبحانه وتعالى عنه - وليس عدم طعنهم فيه، مع سماعهم له آحادا، موجبا للجزم بصحته في نفس الأمر.
كالافتراق بين ذي تأول … وعامل به على المعول
معناه أن افتراق العلماء في حديث بين عامل بظاهره، ومؤول له، لا يقتضي القطع بصدقه، خلافا لمن قال بذلك، معللا بالاتفاق على قبوله، لأن الاحتجاج به يستلزم قبوله، وتأويله يستلزم قبوله أيضا.
وأجيب بأن ذلك إنما يستلزم ظنهم صدقه، لا صدقه في نفس الأمر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومذهب الجمهور صدق مخبر … معْ صمت جمعٍ لم يخفه حاضر
معناه أن مذهب الجمهور القطع بصدق المخبر، بحضرة جمع يحصل بخبره التواتر، عن أمر محسوس، لا يخفى عليهم عادة، ولم يكذبوه مع سماعهم له، وعدم مانع من تكذيبهم له، لامتناع تواطئهم على الكذب، فسكوتهم في معنى خبرهم، وخبرهم معلوم الصدق، وهذا بين إذا كان ذلك في أمر ديني، ولم يكونوا بحيث يخفى عليهم امتناع السكوت على كذبه، لا سيما إذا كان الموقف موقف بيان، فحصول القطع بسكوتهم في غاية الظهور.
وقيل: لا يفيد إلا الظن، لجواز أن يسكتوا عن تكذيبه لا لشيء، وهو بعيد جدا.
ومودَع من النبي سمْعا … يفيد ظنا أو يفيد قطعا
وليس حامل على الإقرار … ثَمَّ مع الصمت عن الإنكار
معناه أنه اختلف في المخبر بخبر بمسمع من النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ولم يكذبه، مع عدم موجب لتقريره عليه، وعدم داع يحمل المخبر على الكذب في ما يخبر به، من إكراه ونحوه، أو عناد، هل يوجب الجزم بصدقه؟