للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

كصلاة الجمعة، والحج فإنه يعاقب عليهما، دون المشي إليهما، وإذا لم يستحق عقابا عليه، لم يكن واجبا، لأن استحقاق العقاب من خصائص الوجوب، قاله في النشر.

والظاهر أن الجواب عن هذا، أن هذا شأن الوسائل، فالعقاب عند الترك إنما هو على المقاصد، وما ذكر من السعي إلى الجمعة، والمشي إلى الحج واجب بالنص، فعدم العقاب فيه لم يأت من جهة عدم الوجوب، بل من جهة عدم القصد الأصلي في الخطاب إلى ذلك، فلم يعاقب عليها فضلا من الله ـ سبحانه وتعالى ـ.

ومثل ذلك ما يتوقف عليه العلم بترك المنهي عنه الآتي في قوله: فما به ترك المحرم يرى البيت.

فلو أنه اقتحم هذه الأمور كلها، لم يعاقب إلا على المنهي عنه بالذات.

وكذلك الثواب على الوسيلة أيضا إنما هو من حيث إنها جهد في سبيل الطاعة، كغيرها من الجهود التي ليست وسائل، فقد قال سبحانه وتعالى جل من قائل: (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه) وقال جل من قائل سبحانه وتعالى: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله) الآية الكريمة، وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم " إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ وهم بالمدينة؟ قال: " وهم بالمدينة، حبسهم العذر " (١) والله سبحانه وتعالى أعلم.

وفرق قوم فقالوا: يجب بوجوبه إن كان سببا، سواء كان شرعيا، كصيغة العتق في الكفارة ـ مثلا ـ أو عاديا كإمساس النار لما يجب إحراقه، لا إن كان شرطا، لأن ارتباط الشيء بسببه أقوى من ارتباطه بشرطه.

وقال إمام الحرمين ـ رحمه الله سبحانه وتعالى ـ: يجب بوجوبه إن كان شرطا شرعيا، كالوضوء، لا عقليا أو عاديا، لأن توقف صورة الواجب عليهما مغن عن قصدهما، وإلى هذين القولين أشار ـ رحمه الله سبحانه وتعالى ـ بقوله: والبعض ذو رأين قد تفرقا والله سبحانه وتعالى أعلم.


(١) رواه البخاري وأبو داوود وابن ماجة والإمام أحمد.

<<  <  ج: ص:  >  >>