يَكُونَ لَمْ يَزَلْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِمَنْعِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا.
وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ نَاظَرَهُمُ الْفَلَاسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَلَمَّا نَاظَرُوهُمْ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ قَدْ خَصَمُوهُمْ وَغَلَبُوهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ قَدْ خَصَمُوا أَهْلَ الْمِلَلِ مُطْلَقًا لِاعْتِقَادِهِمُ الْفَاسِدِ النَّاشِئِ عَنْ جَهْلِهِمْ بِأَقْوَالِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْمِلَلِ بَلْ وَبِأَقْوَالِ أَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ الْقُدَمَاءِ وَظَنِّهِمْ أَنَّهُ (١) لَيْسَ لِأَئِمَّةِ الْمِلَلِ وَأَئِمَّةِ الْفَلَاسِفَةِ قَوْلٌ إِلَّا قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَقَوْلَهُمْ أَوْ قَوْلَ الْمَجُوسِ وَالْحَرَّانِيَّةِ (٢) ، أَوْ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِ مَادَّةٍ بِعَيْنِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَدْ يَظْهَرُ فَسَادُهَا لِلنُّظَّارِ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ عَامَّةَ الْعُقَلَاءِ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ مُرَادًا مَقْدُورًا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ حَادِثًا كَائِنًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، بَلْ هَذَا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ (٣) ، وَلِهَذَا كَانَ مُجَرَّدُ تَصَوُّرِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ الشَّيْءَ مَقْدُورٌ لِلْفَاعِلِ مُرَادٌ لَهُ فَعَلَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ (٤) بِأَنَّهُ حَادِثٌ، بَلْ مُجَرَّدُ تَصَوُّرِهِمْ كَوْنَ الشَّيْءِ مَفْعُولًا. أَوْ مَخْلُوقًا أَوْ مَصْنُوعًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا قَدْ يُنْظَرُ فِي أَنَّهُ فَعَلَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَإِذَا
(١) أ، ب: أَنْ.(٢) يَقْصِدُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِالْمَجُوسِ هُنَا الْمُعْتَزِلَةَ (لِقَوْلِهِمْ بِأَنَّ الْخَيْرَ مِنَ اللَّهِ وَالشَّرَّ مِنَ الْإِنْسَانِ) . وَيَقْصِدُ بِالْحَرَّانِيَّةِ الْفَلَاسِفَةَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَخَاصَّةً الْفَارَابِيُّ الَّذِي تَعَلَّمَ الْفَلْسَفَةَ مِنَ الصَّابِئَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي حَرَّانَ (انْظُرِ الرَّدَّ عَلَى الْمَنْطِقِيِّينَ، ص [٠ - ٩] ٨٧ - ٢٨٨) .(٣) ن، م: مِنَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ.(٤) أ، ب: يُوجِبُ الْعِلْمَ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute