وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ": قَد فَسَّرَهُ طَائِفَة مِن أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِحُدُودِ اللهِ: مَا حَرُمَ لِحَقّ اللهِ؛ فَإِنَّ الْحُدُودَ فِي لَفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُرَادُ بِهَا الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَام، مِثْل آخِرِ الْحَلَالِ وَأَوَّلَ الْحَرَامِ، فَيُقَالُ فِي الْأَوَّلِ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: ٢٢٩]، ويُقَالُ فِي الثَّانِي: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: ١٨٧].
وَأمَّا تَسْمِيَةُ الْعُقُوبَةِ الْمُقَدَّرَةِ حَدًّا فَهُوَ عُرْفٌ حَادِثٌ، وَمُرَادُ الْحَدِيثِ: أَنَّ مَن ضَربَ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ لَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ. [٢٨/ ٣٤٣ - ٣٤٨]
٤٨٦٦ - إِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَو شَهِدَ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَكَانَ قَدِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ نَوْعٌ مِن أَنْوَاعِ الْفُسُوقِ الْقَادِحَةِ فِي الشَّهَادَةِ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ، وَيجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَجْرَحَهُ بِذَلِكَ وَإِن لَمْ يَرَهُ، فَقَد ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَة فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَة فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ، فَسَألُوهُ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: هَذِهِ الْجِنَازَةُ أثنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ، وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أثنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ، أَنتُمْ شُهَدَاؤُ اللهِ: في الْأَرْضِ" (٢).
مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَانِهِ امْرَأَةٌ تُعْلِنُ الْفُجُورَ فَقَالَ: لَو كُنْت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَينةٍ لَرَجَمْت هَذِهِ (٣).
فَالْحُدُودُ لَا تُقَامُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَأَمَّا الْحَذَرُ مِن الرَّجُلِ فِي شَهَادَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْمُعَايَنَةِ؛ بَل الِاسْتِفَاضَةُ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ، وَمَا هُوَ دُونَ
(١) رواه البخاري (٦٨٤٨)، ومسلم (١٧٠٨).(٢) رواه البخاري (١٣٦٧).(٣) رواه البخاري (٥٣١٠)، ومسلم (١٤٩٧).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.