للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والثاني: ما رواه ابن خزيمة عن ابن عمر: (أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ويقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك) (١) وروى ذلك البخاري في صحيحه معلقاً القسم الموقوف فيه: (أن ابن عمر كان يضع يديه قبل ركبتيه) (٢) ومعلوم أن ابن عمر كان من أتبع الناس للنبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يغلو في نظر بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فكانوا ينكرون عليه، فكان في غاية الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهنا كما هو معلق فقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا القول هو القول الراجح.

وأما ما استدل به أهل القول الأول:

فأما حديث أبي داود ففيه شريك بن عبد الله وهو ضعيف إذا تفرد وقد خالف هنا فقد خالف همام وهمام قد رواه مرسلاً، فكان فيه تفرد ومخالفة لذا ضعفه البخاري والبيهقي والدراقطني، فإسناد الحديث ضعيف.

أما الحديث الثاني ففيه إسماعيل بن يحيى وهو متروك.

والصحيح ما تقدم في الحديث المتفق عليه في التطبيق.

فالصواب أن هذا وهم وخطأ بل نكارة لأن الصحيح المشهور هو نسخ التطبيق.

ومن هنا فالراجح مذهب أهل القول الثاني (٣)


(٢) ذكره البخاري في كتاب الأذان،باب (١٢٨) يهوي بالتكبير حين يسجد قبل رقم (٨٠٣) .
(٣) تراجع شيخنا عن هذا القول فقال في شرحه للزاد برأس الخيمة ما نصه: " إذاً: استدلوا بحديث وائل بن حجر، وهو من حديث شريك عن عاصم بن كُليب عن أبيه عن وائل بن حجر، وشريك إذا تفرد بالحديث، فإن الحديث لا يقبل، يعني ضعيف إذا تفرد، وقد روى هذا الحديث همام عن شقيق عن عاصم بن كليب عن أبيه مرسلا، يعني ليس فيه ذكر وائل بن حجر، إذاً: الصواب في هذا السند الإرسال.
فشريك رواه موصولا، وهمام رواه عن شقيق عن عاصم مرسلا.

لكنه ورد من طريق آخر عن وائل بن حجر من حديث محمد بن جُحادة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه، وعبد الجبار لم يدرك أباه، وهذا طريق آخر، وعلى ذلك: يكون الحديث حسنا لغيره، فإن الحديث قد ورد عن وائل بن حجر من طريقين، والحديث صححه ابن خزيمة وغيره، وقد صح هذا أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما في مصنف ابن أبي شيبة: أنه كان يضع ركبتيه قبل يديه ".
القول الثاني في المسألة، وهو قول المالكية، وقال أبو بكر بن أبي داود: " وهو قول أهل الحديث "، ومراده - كما قال ابن القيم - أي بعض أهل الحديث، فإن أحمد والشافعي وإسحاق على خلافه.
استدل أهل هذا القول بما روى أهل السنن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) ، واستدلوا أيضا: بما روى ابن خزيمة أن ابن عمر كان يضع يديه قبل ركبتيه، ويقول: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعله.
والأرجح هو القول الأول، وأما الجواب عن الحديثين:
أما الحديث الأول، وهو حديث أبي هريرة (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) ، فأولاً: قوله (وليضع يديه قبل ركبتيه) قد تفرد بها عبد العزيز الدَّروردي عن محمد بن الحسن، وروى هذا الحديث عبد الله بن نافع عن محمد بن الحسن بلفظ (يعمد أحدكم إذا سجد، فيبرك كما يبرك البعير) ولم يقل (وليضع يديه قبل ركبتيه) ، فتفرد بهذه الجملة (وليضع يديه قبل ركبتيه) عبد العزيز الدروردي، وهو كما قال الحافظ: " صدوق يهم " وقال أبو زرعة: " سيء الحفظ "، فقد تفرد بهذه الزيادة، وقد وهم في ذلك، فعلى هذا التقرير، يبقى الحديث (يعمد أحدكم، فيبرك كما يبرك البعير) وليس فيه (وليضع يديه قبل ركبتيه) .
وعليه: فما صورة بروك البعير؟
معلوم أن البعير إذا برك، فإنه يبدأ بمقدَّمه، ويبقى المؤخر منتصبا، سواء كان قلنا أن ركبة البعير في يديه أو أنها في رجليه، فإنه يبدأ بالمقدَّم، ويبقى المؤخر منتصبا.
ثانيا: أن الحديث من أصله – يعني جملة – حديث معلول، فقد أعلَّه الإمام البخاري والدارقطني والترمذي، قال الترمذي رحمه الله تعالى: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه " اهـ، فالحديث من حديث محمد بن الحسن عن أبي الزناد، أبو الزناد من المكثرين من الحديث، وهو ممن تدور عليهم السنة، فأين أصحابه عن هذه السنة، حتى يتفرد بها محمد بن الحسن؟! وقد ذكر الإمام البخاري محمد بن الحسن في كتابه في الضعفاء، وقال: " لا يُتابع عليه "، وقال: " لا أدري هل سمع من أبي الزناد أم لا؟ "، فإذا كان ممن لا تعرف روايته عن أبي الزناد، فلا يدري الإمام البخاري رحمه الله، هل سمع من أبي الزناد أم لا، فكيف يتفرد بهذه السنة عن سائر أصحاب أبي الزناد. إذاً: الحديث، كما قال الترمذي: " غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه " يعني أين أصحاب أبي الزناد عن هذا الحديث؟! فقد تفرد به من لا يُعرف له عنه سماع، ولم يتابع على ذلك، ولذا كما تقدم أعله البخاري والدارقطني والترمذي، وكذلك حمزة الكِناني، وهو من شيوخ ابن مندة والدارقطني، كما ذكر هذا ابن رجب رحمه الله تعالى. إذاً: الحديث، الصواب أنه معلول.
نأتي إلى الحديث الآخر، وهو حديث ابن عمر عند ابن خزيمة:
الحديث من حديث عبد العزيز الدروردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، ويقول: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعله " وعبد العزيز الدروردي، كما تقدم، صدوق له أوهام، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: " كان يقلب أحاديث عبد الله بن عمر، يرويها عن عبيد الله بن عمر " وهذا الحديث منها، فإن هذا الحديث يرويه عبد العزيز الدروردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ولذا قال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في هذا الحديث: " لا أراه إلا وهما، والمحفوظ من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا سجد أحدكم، فليضع يديه، وإذا رفع وجهه، فليرفعهما) يعني أن الواجب على من سجد أن يضع يديه كما أنه يجب عليه أن يضع وجهه.
وهذا الأثر قد ذكره البخاري رحمه الله تعالى معلقا موقوفا، ففي البخاري: " كان ابن عمر رضي الله عنه إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه " ولم أقف على سند لهذا، لكن معلقات الإمام البخاري رحمه الله صحيحة إذا جزم بها، ومع ذلك فإن هذا الأثر لم يُغلقه الحافظ ابن حجر في كتابه " تغليق التعليق "، فإنه لم يذكر سند هذا المعلَّق.
إذاً: الصواب أن هذا لا يصح مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل هو وهم، وعلى ذلك فالراجح أن المستحب له أن يضع ركبتيه قبل يديه، كما هو مذهب جمهور العلماء. والله أعلم.