فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ» (١) لَا بِعَيْنِ الرَّأْسِ.
وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (وَهُوَ هُوَ فِي صِدْقِ اللَّهْجَةِ) سَأَلَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا. فَأَفْتَاهُ بِمَا مُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ. قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدثنَا وَكِيع، عَن يزِيد بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سأَلت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ رأَيت رَبك؟ قَالَ: «نورا أَنَّى أَرَاهُ» ؟ (٢) .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثْنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: «قُلْتُ لِأَبِي ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدْ سَأَلْتُ فَقَالَ: «رَأَيْتُ نُورًا» هَذَا لَفَظَ مُسْلِمٍ (٣) .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ: أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نُورًا أَنى أَرَاهُ» ا! فَهُوَ بِتَنْوِينِ «نُورٍ» وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي «أَنى» وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَفَتْحِهَا. وَ «أَراه» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ هَكَذَا رَوَاهُ جَمِيعُ الرُّوَاةِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ. وَمَعْنَاهُ: حجابة نور، فَكيف أَرَاهَا!.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الضَّمِيرُ فِي «أَرَاهُ» عَائِدٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ النُّورَ مَنَعَنِي مِنَ الرُّؤْيَةِ. كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِغْشَاءِ الْأَنْوَارِ الْأَبْصَارَ، وَمَنْعِهَا مِنْ إِدْرَاكِ مَا حَالَتْ بَيْنَ
الرَّائِي وَبَيْنَهُ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رأَيت نُورًا» مَعْنَاهُ: رَأَيْتُ النُّورَ فَحَسْبُ، وَلَمْ أَرَ غَيره.
(١) - صَحِيح مُسلم (١/١٥٨) (١٧٦) من قَول ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا -.(٢) - صَحِيح مُسلم [ (١/١٦١) ٢٩١- (١٧٨) ] .(٣) - صَحِيح مُسلم [ (١/١٦١) ٢٩٢- (١٧٨) ] .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.