وهذه يمكن القول فيها إنها متروكة لاقتناع القاضي، ولو تولد هذا الاقتناع من دلالة القرائن.
وقد تقدم أن كثيرا من الفقهاء رأى أن على القاضي أن يسعى للتوصل إلى إقرار المتهم أو تقديم البينة عليه، ولكن إذا تعذر وكانت القرائن ظاهرة الدلالة قضى بموجبها، وأوقع على الجاني عقوبة التعزير، والفقه الإسلامي إن كان قد تشدد في إثبات جرائم الحدود والقصاص إلا أنه قد جعل في إثبات الجرائم التعزيرية متسعا حتى لا تكون هناك جريمة بلا عقوبة، خصوصا وأن جرائم الحدود والقصاص قليلة ومحصورة، ثم إن الشك إذا سرى ودرئ الحد أو القصاص فإنه لا يمنع من إبداله بالعقوبة التعزيرية.
الفقه الإسلامي يقرر قرينة البراءة ونتائجها:
نلاحظ كذلك سبق الفقه الإسلامي إلى تقرير قرينة البراءة وذلك بالقاعدة المعروفة (الأصل في الإنسان البراءة) والتي تعني كما نصت القوانين أخيرا أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته بحكم بات (أو دونما شك معقول) .
كما سبق الفقه الإسلامي إلى تقرير أهم نتائج قرينة البراءة بقاعدة (درء الحدود بالشبهات) . والتي تقضي بأن الحكم الجنائي يجب أن يبنى على الجزم واليقين لا على الاحتمالات والشكوك وبالتالي يفسر الشك لصالح المتهم.
غير أن التزام الفقهاء بهذه القاعدة أعني قاعدة درء الحدود بالشبهات - جعل الجمهور من الفقهاء يتوقف عن الاعتداد بالقرائن وإن كانت ظاهرة واضحة وظل التزام القاعدة عندهم متمسكا به في جميع مراحل المحاكمة وهو ما رأينا العدول عنه بحيث ينتقل عبء الإثبات في بعض مراحله إلى المتهم لينفي الدلائل الواضحة والقرائن الجلية التي تدينه، فإذا استطاع أن يشكك القاضي وينجح في دحض دلالة القرائن برئ، وهذا ما قال به القانونيون في الدعوى الجنائية عندما تشير أصابع الاتهام إلى المتهم.
ولعل ما ذهب إليه الفقه الإنجليزي من افتراض توفر القصد الجنائي إذا وقع النشاط الإجرامي بناء على أن العاقل يقصد نتائج عمل هذا القول في نظري مشابه لحد كبير رأي الإمام مالك الذي يقول إن وقوع العدوان يعتبر قرينة على القصد، فيثبت القصاص على القاتل بعدوانه ولا يتوقف على إثبات القصد الجنائي كما فعل القانون المصري.