وعن محمد بن حُمَيد، قال: عَطِسَ رجلٌ عند ابن المبارك. قال: فقال له ابن المبارك: أيْش يقول الرجل إذا عَطِس؟ قال: يقول: الحمد لله. قال: فقال له ابن المبارك: يرْحَمُك الله. قال: فعجِبْنا كلُّنا من حُسْنِ أدبِه.
وكان يقول لأصحاب الحديث: أنتم إلى قليل من الأدب أحْوَجُ منكم إلى كثير من العلم.
وسُمع يُخاطبُ نفسَه، فيقول: يا ابنَ المبارك، إذا عرفتَ نفْسَك، لم يَضرُّك ما قيل فيك.
وعنه أنَّه قال: خَصْلَتان مَن كانتا فيه نَجا: الصِّدْق، وحُبُّ أصحاب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
ومِن شعرِ ابن المبارك، رحمه الله تعالى (١):
إنِي امْرُؤُ ليس في دِيني لغامِزَةٍ … لِينٌ ولستُ على الإسلام طَعَّانا
شُغْلِي بقومٍ مَضَوْا كانوا لنا سَلَفا … وللرَّسولِ مع العِرفانِ أعْوانا
فما الدُّخول عليهم في الذي عَمِلوا … بالطَّعْن منِّي وقد فرَّطْتُ عِصْيانا
فلا أسُبُّ أبا بكر ولا عُمَرا … ولا أسُبُّ مَعاذَ الله عُثمانا
ولا ابنَ عمِّ رسول الله أشْتُمه … حتى أُلَبَّسَ تحت التُّرْبِ أكْفانا
ولا الزُّبَيْرَ حَواريَّ الرَّسول ولا … أهْدِي لِطَلْحةَ شَتْما عَزَّ أو هانا
ولا أقولُ عليّ في السَّحاب إذا … قد قلتُ والله ظلما ثُمَّ عُدْوانا
ولا أقول بقَوْلِ الجَهْم إنَّ له … قولا يُضارعُ أهْلَ الشِّرْكِ أحْيانا
ولا أقولُ تخلى من خليقته … رب العباد وولى الأمر شيطانا
ما قال فِرْعَوْنُ هذا في تَجَبُّره … فِرعونُ موسى ولا هامانُ طُغيانا (٢)
لكنْ على مِلَّة الإسلام ليس لنا … اسْمٌ سِواهُ بذاك الله سمّانا
إنَّ الجماعة حَبْلُ الله ما اعْتَصَموا … بها من العُرْوَة الوُثْقَى لمن دَانا
(١) سير أعلام النبلاء ٨: ٣٦٥، ٣٦٦، وطبقات الشافعية الكبرى ١: ٢٨٧.
(٢) في السير "في تمرده".