أين أحاديثك والقولُ في … لُزومِ أبوابِ السلاطينِ (١)
إن قلتَ أكْرِهْتُ فما كان ذا … زَلَّ حمارُ العلم في الطِّين (٢)
فلمَّا قرأ الأبيات بكَى، ودخل على هارون، فاسْتعْفاهُ، فقال: لعلَّك التقيْتَ بالمرْوَزِيِّ؟ فقال له: ارْحَمْ شَيْبِي. فأقالَه، فبَعث إليه ابنُ المبارك برَسْنه.
وعن الأصْمعِيّ، قال: سمعتُ ابن المبارك يقول: إنَّه لَيُعْجبُنِي من القُرَّاء كلَّ طَلْقٍ مِضْحاك، فأمّا مَن تلْقاه بالبشر ويلْقاك بالعُبوس، كأنَّه يَمُنُّ عليك بعمله، فلا أكْثَر الله في القُّرَّاء مثله.
وسُئِل ابنُ المبارك: مَن أحسنُ الناس حالا؟ قال: مَن انْقطَع إلى الله عزّ وجلّ.
وكان يقول مَن بَخِلَ بالعلم ابْتُلِيَ بثلاث: إما يموت، فيذهبَ علمُه، أو ينْسَى أو يَتَّبعَ السُّلطان. وكان يقول: لأنْ أخرَّ من السماء، أحبُّ إلىَّ من أن أُدَلِّسَ حديثا.
وذُكِر عندَه رجلٌ مِمَّن كان يُدَلِّس، فقال فيه قولا شديدا، وأنْشَدَ فيه (٣):
دَلَّسَ للناس أحاديثه … والله لا يقْبَلُ تَدْليسا
وعنه أنَّه قال: مَن اسْتَخَفَّ بالعلماء ذهبتْ آخِرتُه، ومن اسْتخَفَّ بالأمراء ذهبتْ دنياه، ومن اسْتَخفَّ بالإخوان ذهَبت مُروْءتُه.
(١) في السير والطبقات والورقة: أين رواياتك فيما مضى … في ترك أبواب السلاطين. (٢) سقط قوله: كان ذا من النسخ، وهو من الورقة، ومكانه في السير والطبقات: ذا كذا. (٣) سير أعلام النبلاء ٨: ٣٦١.