يُعْدمُ! والتحفّظُ على الدياناتِ كذلك؛ وكثرت الشهواتُ، وكَثُرَ مَنْ يَدَّعي العلمَ، ويتجاسرُ على الفتوى فيه، فلو فُتِحَ لهم بابٌ في مخالفةِ المذهبِ لاتّسعَ الخرقُ على الراقعِ، وهتكوا حجابَ هيبةِ المذهب، وهذا مِن المفسدات الَّتي لا خفاءَ بها" (١).
مناقشة الدليل الأول: نوقش الدليل من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: ما ذكرتموه في دليلِكم منقوضٌ بعصرِ الإِسلامِ الأَوَّل، فلم يُلْزِم الصحابةُ - رضي الله عنهم - ولا التابعون أحدًا بالتمذهبِ بمذهبٍ معيَّنٍ؛ لئلا يقعَ الناسُ في الأخذِ بالرخصِ (٢).
الجواب عن الوجه الأول: إِنَّ المذاهبَ لم تكنْ مدوّنةً ولا محررةً في العصرِ الأول، وهذا يجعل المقلِّدين يسألون مَنْ وجدوه حين تَعْرِضُ لهم المسألةُ، لذا لم نقلْ بوجوب التمذهب بمذهب معيّنٍ، بخلافِ العصورِ اللاحقةِ، فالمذاهبُ قد دُوِّنَتْ ومُهِّدَتْ وأُصِّلَتْ (٣).
يقولُ تقيُّ الدينِ بنُ تيمية: "مَنْ التزم مذهبًا معينًا، ثم فَعَلَ خلافَه، مِنْ غير تقليدٍ لعالمٍ آخر أفتاه، ولا استدلال بدليلٍ يقتضي خلافَ ذلك، ومِنْ غيرِ عذرٍ شرعي يبيحُ له ما فعله، فإِنَّه يكون متبعًا لهواه، وعاملًا بغيرِ اجتهادٍ ولا تقليدٍ ... فهذا مُنْكَرٌ ... وأمَّا إِذا تبين له ما يُوجبُ رجحان قولٍ على قولٍ، إِمَّا بالأدلةِ المفصلةِ، إِنْ كان يعرفها ويفهمها، وإِمَّا بأنْ يرى أحد
(١) نقل الشاطبي كلامَ أبي عبد الله المازري في: الموافقات (٥/ ١٠١). (٢) انظر: أدب المفتي والمستفتي (ص/ ١٦٢)، والمجموع شرح المهذب للنووي (١/ ٥٥)، وصفة الفتوى (ص/ ٧٢). (٣) انظر: المصادر السابقة، وأصول الفقه للدكتور عياض السلمي (ص/ ٤٨٣). (٤) انظر: المسودة (٢/ ٩٢١).