المتمذهبُ متمكنًا مِن النظر أم لا، لأنَّ أكثرَ أدلته فيها عموماتٌ تشملُ كلَّ الملتزمين بمذهبِهم (١)، ولأنَّه قد يؤدي إِلى تغليب قولِ الإِمام على قولِ الله تعالى وقولِ رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ثُمَّ إِنَه يرى أنَّ التزامَ أقوالِ عالمٍ بعينِه - كما سيأتي في أدلةِ أصحاب القولِ الرابعِ - مِن البدعِ، وهذا يدلُّ على المنعِ مِنْ الالتزامِ مطلقًا.
وأيضًا: لئلا يكونَ عدمُ تأهّلِ المتمذهبِ ذريعةً له في بقائِه على مذهبِه.
٢ - : ما جاء عن أبي عمر ابن عبد البر:
جاءَ عن ابنِ عبد البر عباراتٌ شديدةٌ في التحذيرِ مِن التقليدِ المذهبي، وسأحررُ قولَه في ضوءِ الآتي:
أولًا: تعريف التقليد عند ابنِ عبد البر:
بيَّنَ ابنُ عبد البر التقليدَ بقولِه:"يُقالُ لمَنْ قالَ بالتقليدِ: ما حجتك في تقليدِ بعضِ العلماءِ دونَ بعضٍ، وكلّهم عالمٌ؟ ولعل الَّذي رغبتَ عن قولِه أعلم مِن الَّذي ذهبتَ إِلى مذهبِه. فإنْ قال: قلَّدتُه، لأنِّي علمتُ أنَّه صوابٌ. قيل له: علمتَ ذلك بدليلٍ مِن كتابٍ أو سنةٍ أو إِجماعٍ؟ فإنْ قالَ: نعم، فقد أبطلَ التقليدَ، وطُولب بما ادّعاه مِن الدليلِ"(٢).
ويقولُ أيضًا:"التقليد: أنْ تقولَ بقولِه - أيْ: القائل - وأنتَ لا تعرفُ وجهَ القولِ، ولا معناه (٣)، وتأبى سواه، أو يتبين لك خطؤُه، فتتّبعه؛ مهابةَ خلافِه، وأنتَ قد بان لك فسادُ قولِه"(٤).
وكلامُ ابنِ عبد البر مِن الوضوح بمكانٍ في تحديدِ مصطلح التقليدِ، وأنَّه يشمل حالتين:
(١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٨٦، ١٢٤، ١٢٥، ١٦٤، ١٧٥). (٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٤). (٣) لعل المقصود: "بالمعنى": العلة والتوجيه. (٤) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٧٨٧).