خالفوا مذهبَهم لمجردِ المخالفةِ، بلْ لأنَّ المخالفةَ قرينةٌ دالةٌ على أنَّ المخالفَ اتَّبع الدليلَ لما ظَهَرَ له ضعفُ مذهبِه.
ويمكن أنْ نستخلص ممَّا سبق إِيراده من كلام ابن حزم الآتي:
الأول: أنَّ التقليدَ الَّذي حاربه ابنُ حزمٍ هو ما كان أخذًا لقولِ عالمٍ دونَ معرفةِ دليلِ قولِه، وإِنَّما أَخَذَه؛ لأنَّ فلانًا قاله.
ويترتب على هذا: أنَّ مَنْ أَخَذَ قولَ عالمٍ؛ لظهورِ رجحانِه، أو لمعرفةِ دليلِه، فليس الآخذُ مقلِّدًا عند ابنِ حزمٍ، ولا يسمّي فعله تقليدًا، فلا يتوجه انتقادُ ابنِ حزمٍ إِلى مثلِ هؤلاءِ.
ويدلُّ على ما سَبَقَ: أنَّ ابنَ حزم نصَّ على ذمّ مَنْ أَخَذَ قولَ إِمامٍ بلا دليلٍ يُصححُ قولَه (١)، وهو قيدٌ مهمٌّ؛ يخرجُ به مَنْ أَخَذَ قولَ إِمامِه بدليلٍ يصححُ قولَه، فلا يدخلُ فيما ذمّه ابنُ حزمٍ.
الثاني: أنَّ تحذيرَ ابنِ حزمٍ انصبَّ على حالةِ المتمذهب الَّذي يأخذُ أقوالَ إِمامِه في جميعِ المسائلِ، ويقتصر على مذهبِه - ولا يلتَفت إِلى غيرِه البتة، مِنْ مخالفٍ أو دليلٍ - ويلتزمُ مذهبَ إِمامِه، والدليلُ على خلافِه.
الثالث: لم أقفْ على كلامٍ لابنِ حزمٍ دعا فيه إِلى تركِ المذاهبِ الفقهيةِ، وإنَّما ذمَّ صنيعَ بعضِ المتمذهبين في الحالةِ السابقةِ.
الرابع: لم يفصّل ابنُ حزم حين مَنَعَ التقليدَ المذهبي بين المتمذهبِ المتأهلِ للنظرِ في الأدلةِ، والمتمذهبِ الَّذي لم يتأهلْ.
لكنْ في كلام ابن حزمٍ في بعض المواطنِ إِشارةٌ إِلى توجّه كلامِه إِلى المتمكنِ مِن النظرِ (٢).
والذي يظهرُ لي أنَّ ابنَ حزمٍ يمنعُ التزام المذهبِ، سواءٌ أكان
(١) انظر: الإِحكام في أصول الأحكام (٦/ ٦٩ - ٧٠). (٢) انظر: النبذ في أصول الفقه (ص / ١١٦).