قوله: ويضمن الصانع البيتين، يعني أن الصانع ضامن ما استصنع فيه إذا نصب نفسه لذلك، سواء عمله بأجر أو لا، إذا غاب عليه، قال في التبصرة: إن ادعى المنتصب التلف فإنه لا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال، إما أن يغيب على ما يعمله، فيعمله في حانوت نفسه أو في بيته، أو يعمل بحضرة صاحبه، أو يدعوه صاحبه إلى داره فيعمله عنده، فإن غاب عليه كان ضامنا له ولم يصدق في تلفه، لأن الغالب من الصناع عدم الأمانة، فلو صدقوا لاجترؤوا على أموال الناس، وإذا علموا أنهم لم يصدقوا لم يجترؤوا عليها، قال مالك - رحمه الله تعالى -: يضمنون لأن ذلك على وجه الحاجة إلى عملهم، وليس على وجه الاختيار لهم والأمانة، ولو كان ذلك إلى أمانتهم لاجترؤوا عليها، ولم يجد الناس مستعملا لتلك الأعمال، فيضمنوا لمصلحة تلك الناس، قال: ومما يشبه ذلك من منفعة العامة قول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " لا يبع حاضر لباد "(١)" ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق "(٢) وإن دعاه لعمل ذلك عنده كان القول قول الصانع في تلفه، وسواء حضر صاحب المتاع في حين عمله أو غاب عنه، فهو المصدق، ويختلف إذا عمله الصانع في حانوت نفسه بحضرة صاحبه، فقال محمد القول قول الصانع في تلفه، وفي كتاب ابن حبيب في مثل ذلك أنه ضامن وليس بحسن ومحل ضمان الصانع ما لم تقم بينة أن هلاكه من غيره، وإلا فلا ضمان عليه ولا أجر له، ومحل ضمانه بسبب الصنعة إذا لم يكن فيها تغرير، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: وأما إن كان فيها تغرير كثقب اللؤلؤة ونقش الفصوص، وتقويم السيوف، واحتراق الخبز عندالفران، والثوب عند الصباغ، فلا ضمان عليه فيها، إلا أن يعلم أنه تعدى فيها، أو أخذها على غير وجه مأخذها، نقله في التوضيح، قال: ونحوه لابن المواز، نقله في المواهب.
(١) متفق عليه. (٢) نهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن تلقي الركبان متفق عليه، وهذا اللفظ للبخاري.