{قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) }
{وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ} أَيْ: مِنْ قَبْلِ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، {لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ} مِنْ عَدُوِّهِمْ أَيْ: لَا يَنْهَزِمُونَ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ: هُمْ بَنُو حَارِثَةَ، هَمُّوا يَوْمَ أُحُدٍ أَنْ يَفْشَلُوا مَعَ بَنِي سَلَمَةَ، فَلَمَّا نَزَلَ فِيهِمْ مَا نَزَلَ عَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ لَا يَعُودُوا لِمِثْلِهَا (١) .
وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ نَاسٌ كَانُوا قَدْ غَابُوا عَنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ [وَرَأَوْا مَا أَعْطَى اللَّهُ أَهْلَ بَدْرٍ] (٢) مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْفَضِيلَةِ قَالُوا: لَئِنْ أَشْهَدَنَا اللَّهُ قِتَالًا لَنُقَاتِلَنَّ، فَسَاقَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ (٣) .
وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَقَالُوا: أَشْتَرِطْ لِرَبِّكَ وَلِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَوْلَادَكُمْ، قَالُوا: فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَكُمُ النَّصْرُ فِي الدُّنْيَا وَالْجَنَّةُ فِي الْآخِرَةِ، قَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا ذَلِكَ. فَذَلِكَ عَهْدُهُمْ (٤) .
وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِمُرْضِيٍّ، لِأَنَّ الَّذِينَ بَايَعُوا لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ كَانُوا سَبْعِينَ نَفَرًا، لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ شَاكٌّ وَلَا مَنْ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ، وَإِنَّمَا الْآيَةُ فِي قَوْمٍ عَاهَدُوا اللَّهَ أَنْ يُقَاتِلُوا وَلَا يَفِرُّوا، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ.
{وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} عَنْهُ. {قُلْ} لَهُمْ، {لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ} الَّذِي كُتِبَ عَلَيْكُمْ لِأَنَّ مِنْ حَضَرَ أَجَلُهُ مَاتَ أَوْ قُتِلَ، {وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا} أَيْ: لَا تُمَتَّعُونَ بَعْدَ الْفِرَارِ إِلَّا مُدَّةَ آجَالِكُمْ وَهِيَ قَلِيلٌ.
(١) أخرجه الطبري: ٢١ / ١٣٧.(٢) ما بين القوسين ساقط من"أ".(٣) أخرجه الطبري: ٢١ / ١٣٧، وانظر: زاد المسير: ٦ / ٣٦٣، البحر المحيط: ٧ / ٢١٩.(٤) ذكره القرطبي: ١٤ / ١٥٠، وانظر: زاد المسير: ٦ / ٣٦٣، البحر المحيط: ٧ / ٢١٩.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.