* إِسْلَامُ ثَقِيفٍ:
ثُمَّ انْصَرَفَ الْوَفْدُ إِلَى بِلَادِهِم، بَعْدَ أَنْ أَقَامُوا نِصْفَ شَهْرٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَقَدْ أَكْرَمَهُمْ وَحبَاهُمْ، فَلَمَّا أَتَوُا الطَّائِفَ وَجَاءَتْهُمْ ثَقِيفٌ كتَمُوهُمُ الْحَقِيقَةَ، وَأَظْهرُوا الْحُزْنَ وَالْكَآبَةَ، وَخَوَّفُوهُم بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، وَقَالُوا لَهُمْ: أتَيْنَا رَجُلًا فَظًّا غَلِيظًا قَدْ ظَهرَ بِالسَّيْفِ وَدَانَ (١) لَهُ النَّاسُ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا أُمُورًا شِدَادًا أَبَيْنَاهَا عَلَيْهِ، سَأَلنَا أَنْ نَهْدِمَ اللَّاتَ، وَنُبْطِلَ أَموَالَنَا فِي الرِّبَا، وَنُحَرِّمَ الْخَمْرَ وَالزِّنَى، فَأَخَذَتْ ثَقِيفٌ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَقْبَلُ هَذَا أَبَدًا، فَقَالُوا لَهُمْ: أَصْلِحُوا السِّلَاحَ وَتَهيَّؤوا لِلْقِتَالِ.
فَمَكَثَتْ ثَقِيفٌ كَذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَقَالُوا لِلْوَفْدِ: وَاللَّهِ مَا لَنَا بِهِ مِنْ طَاقَةٍ، وَقَدْ أَدَاخَ الْعَرَبَ كُلَّها، فَارْجِعُوا إِلَيْهِ، وَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ وَصَالِحُوهُ عَلَيْهِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ أَبْدَى الْوَفْدُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَقَالُوا لَهُمْ: قَدْ قَاضَيْنَاهُ وَأَسْلَمْنَا، وَوَجَدنَاهُ أَتْقَى النَّاسِ وَأَوْفَاهُم، وَأَرحَمَهُم، وَأَصْدَقَهُمْ، وَقَدْ بُورِكَ لَنَا وَلَكُمْ فِي مَسِيرِنَا إِلَيْهِ، وفيمَا قَاضَيْنَاهُ عَلَيْهِ.
فَقَالَتْ ثَقِيفٌ: لِمَ كتَمْتُمُونَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَغَمَمْتُمُونَا أَشَدَّ الْغَمِّ؟ .
فَقَالُوا: أَرَدْنَا أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ نَخْوَةَ الشَّيْطَانِ، فَأَسْلَمُوا (٢).
(١) دَانَ: ذَلَّ. انظر لسان العرب (٤/ ٤٥٠).(٢) انظر تفاصيل قدوم وفد ثقيف للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في: سيرة ابن هشام (٤/ ١٩١) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٥١) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣) - البداية والنهاية (٥/ ٣٢).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute