فصول الكتاب

المسجد ورسول الله ﷺ مع أصحابه مكان المائدة من القوم، والقوم متحلقون معه حلقة دون حلقة، يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم، وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم.

قال كعب: فأنخت راحلتي، ودخلت، فعرفت رسول الله ﷺ بالصفة، فتخطيت حتى جلست إليه فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. الأمان يا رسول الله. قال: ومن أنت؟ قلت: أنا كعب بن زهير. قال: الذي يقول، ثم التفت إلى أبي بكر فقال: كيف قال يا أبا بكر؟. فأنشده:

سقاك أبو بكر بكأس روية … وأنهلك المأمور منها وعلكا

قلت: يا رسول الله، ما قلت هكذا. قال: فكيف قلت؟ قلت: إنما قلت:

وأنهلك المأمون منها وعلكا فقال: مأمون، والله.

قال: ثم أنشده:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول … متيم إثرها لم يلف مكبول

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا … إلا أغن غضيض الطرف مكحول

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت … كأنه منهل بالراح معلول

شجت بذي شبم من ماء محنية … صاف بأبطح أضحى وهو مشمول (١)

تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه … من صوب سارية بيض يعاليل (٢)

أكرم بها خلة لو أنها صدقت … موعودها أو لو ان النصح مقبول

لكنها خلة قد سيط من دمها … فجع وولع وإخلاف وتبديل (٣)

فما تدوم على حال تكون بها … كما تلون في أثوابها الغول (٤)


(١) شُجَّت: مُزجت. وذي شبم: الماء البارد. والمحنية: ما انعطف من الوادي.
ومشمول: أصابته ريح الشمال.
(٢) أفرطه: أي ملأه. السارية: سحابة تسري. والبيض اليعاليل: أي السحائب الرواء.
(٣) سِيط: خلط. والولع: الكذب.
(٤) يعني: الداهية.