الحقيقي ولكن أريد به لازِمُه وهو الكَرَم وإنْ كان بواسطة لازم آخَر؛ لأن لازم كثرة الرماد إنما هو كثرة الطبخ، ولازِم كثرة الطبخ كثرةُ الضيفان، ولازم كثرة الضيفان الكرم، وكل ذلك عادة. فالدلالة على المعنى الأصلي بالوضع، وعلى اللازم بانتقال الذهن مِن الملزوم إليه.
ومِثله قولهم:"طويل النجاد" كناية عن طول القامة؛ لأن نجاد الطويل يكون طويلًا بحسب العادة، وعلى هذا فهو حقيقة؛ لأنه استُعمل في معناه وإنْ أريدَ به اللازم، فلا تنافي بينهما.
فإنْ لم يُرَد المعنى الحقيقي وإنما عُبر بالملزوم عن اللازم بأنْ يُطلق المتكلم "كثرة الرماد" على اللازم وهو الكَرَم و"طول النجاد" على اللازم وهو طول القامة - مِن غير ملاحظة الحقيقة أصلًا، فهو مجاز؛ لأنه استُعمل في غير معناه، والعلاقة فيه إطلاق الملزوم على اللازم.
وقد عُلِم من ذلك أن الكناية تكون حقيقة وتكون مجازًا، ولا مخرج لها عنهما، وهذا على طريقة بعض المتأخرين، وإليه ذهب الشيخ تقي الدين السبكي وغيره، وهو الراجح.
ووراء ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها:[أنها](١) مجاز مطلقًا؛ نظرًا إلى المراد منه، وهو مقتضَى قول صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ}[البقرة: ٢٣٥] حيث فَسَّر "الكناية" بأن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له.
نعم، شَرَط في الكناية إمكان المعنى الحقيقي، ذَكَره في قوله تعالى:{وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}[آل عمران: ٧٧]، فقال: إنه مجازٌ عن الاستهانة والسخط، فإطلاق النظر إلى فلان