بمعنى الاعتداد به والإحسان إليه كناية إذا أُسند إلى مَن يجوز عليه النظر، ومجاز إذا أُسند إلى مَن لا يجوز عليه النظر. وعلل ذلك بأنَّ مَن يجوز عليه النظر إذا اعتد بإنسان، التفت إليه وأعاره نظره، فكثر حتى صار عبارة عن الإحسان.
وحاصل ما ادَّعاه أن المجاز أعَم مِن الكناية، فَمِمَّن يجوز عليه النظر كناية ومجاز، وممن لا يجوز عليه النظر مجاز فقط.
ثانيها: إنها حقيقة مطلقًا. وإليه جنح كثير من البيانيين، وتبعهم ابن عبد السلام في كتاب "المجاز"، فقال: الظاهر أن "الكناية" ليست من المجاز؛ لأنها وإن استُعملت فيما وُضع له لكن أُرِيدَ بها الدلالة على غيره، كدليل الخطاب في قوله:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}[الإسراء: ٢٣]، وكذلك نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التضحية بالعوراء والعرجاء.
قلتُ: ونحوه النهي عن الدباء والحنتم و [المقَيَّر](١)، فإنه يَنْصَبُّ إلى ما يَلزم منه وهو النبيذ.
ثالثها: أنها لا حقيقة ولا مجاز. وهو قول السكاكي، وتبعه في "التلخيص"، ووافق السكاكي في موضع آخَر البيانيين في كونها حقيقة. وجمع بعض الشُّراح بين كلاميه بتأويل.
وقال الإمام في "نهاية الإيجاز": (إن اللفظ إذا أُطلق وأريد به معناه الأصلي ولازِمه، يكون كناية، وإنْ أريد اللازم فقط يكون مجازًا).
ثم قال:(وليست الكناية من المجاز؛ بدليل أنها ضد المقصود بمعنى اللفظ)(٢) إلى آخِره.
ولكن هذا يقتضي أنه لا يكون كناية حتى يُراد المعنى الحقيقي والمجازي معًا، فلا يُقال:
(١) صحيح البخاري (رقم: ٥٠٠)، صحيح مسلم (رقم: ١٧). (٢) نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز (ص ١٦٠ - ١٦٢).