لأن عطاءه مِن فضله، فله المنة، وأما مَنُّ غيره تعالى فمذموم، قال تعالى:{ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى}[البقرة: ٢٦٢].
وإنما أخرتُ هذا النوع عن الذي قبله لأولويَّة ذلك؛ لأن السبب المعيَّن يستدعي مُسبَّبًا معيَّنًا، كزنا المحصن في الرجم، والمسبَّب المعيَّن لا يستدعي سببًا مُعيَّنًا، كإباحة الدم، إما لِرِدَّة أو زِنَا مُحصَن أو ترك صلاة أو موجب قصاص أو دفع صِيال أو بَغْي.
وما يقتضي المعيَّن أقوى مما يقتضي المطلَق؛ لأنه يقتضي المطلق وزيادة.
ويأتي فيه الأقسام الأربعة السابقة: إطلاق المسبَّب على السبب الفاعلي والمادي والصوري والغائي، ولا يخفى أمثلتها مما سبق في عكوسها.
الحادي عشر: باعتبار الكُلية، وهو إطلاق الكل على الجزء، كقوله تعالى:{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ}[البقرة: ١٩]، أي: أناملهم؛ لأن العادة أن الإنسان لا يضع جميع الإصبع في الأذن.
ومثله قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: ٢٢]، فإن الناظر من الوجهِ العينُ فقط.
ومَثَّله البيضاوي بإطلاق القرآن على بعضه.
وفيه نظر؛ فإنَّ ذلك مِن الكُلي على الجزئي، ومثل ذلك إنما هو حقيقة كما قرر ذلك فخر الإسلام وهو ظاهر؛ لأن المجاز هو المستعمل في غير ما وُضع له أولًا، والجزئي ليس غير الكلي كما أنه ليس عَيْنه؛ ولأجل ذلك لم أذكر في النَّظم إطلاق الكُلي وإرادة الجزئي.
الثاني عشر: باعتبار الجزئية، عكس ما قبله، بأنْ يُطلق الجزء ويُراد الكل، نحو:"فعتق رقبة"، والعتق إنما هو للكل، لا للرقبة فقط.